تعيش الأسواق العالمية واحدة من أسرع موجات إعادة التسعير منذ بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما دفعت التطورات السياسية الأخيرة المستثمرين إلى الرهان على اقتراب نهاية الصراع، وهو ما انعكس بصورة حادة على تحركات الأسهم والنفط والذهب والعملات خلال تعاملات الأربعاء الصباحية إلى الان.
وتحوّلت شهية المستثمرين بشكل واضح نحو الأصول عالية المخاطر، مع تزايد المؤشرات على وجود اختراق دبلوماسي بين واشنطن وطهران، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن اقتراب الطرفين من اتفاق قد يضع حدًا للحرب ويمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات السياسية والنووية، بالتزامن مع تعليق الولايات المتحدة لعملياتها العسكرية المتعلقة بحماية الملاحة في مضيق هرمز.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط بعنف بفعل انحسار المخاوف المتعلقة بالإمدادات، قفزت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، بينما فقد الدولار جزءًا كبيرًا من مكاسبه الأخيرة، في حين عاد الذهب للصعود بقوة مستفيدًا من تغير توقعات التضخم والسياسة النقدية الأمريكية، في مشهد يعكس أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو نهاية الحرب أكثر من تسعير احتمالات التصعيد.
لا تدع التقلبات الجيوسياسية في أهم ممر ملاحي بالعالم تفوت عليك فرصاً استثمارية ذهبية.

الأسواق الأمريكية تتحرك
ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بقوة خلال تعاملات الأربعاء، بعدما عززت التقارير المتداولة بشأن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، رهانات المستثمرين على انحسار التوترات الجيوسياسية وعودة الاستقرار إلى الأسواق العالمية.
وصعدت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر داو جونز الصناعي بنحو 544 نقطة، أو ما يعادل 1.1%، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.9%، وقفزت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.6%، في إشارة واضحة إلى تحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
اتفاق محتمل يغير اتجاه الأسواق
جاءت هذه التحركات بعدما كشف تقرير لموقع أكسيوس نشر منذ قليل، اليوم الأربعاء، أن البيت الأبيض يعتقد أنه بات قريبًا من التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن مذكرة تفاهم مختصرة من صفحة واحدة، تهدف إلى إنهاء الحرب ووضع إطار عام لمفاوضات نووية أكثر تفصيلًا خلال المرحلة المقبلة.
ونقل التقرير عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة على سير المحادثات، أن الولايات المتحدة تنتظر ردودًا إيرانية خلال الـ48 ساعة المقبلة بشأن عدة نقاط رئيسية، في وقت وصف فيه التقرير هذه المرحلة بأنها الأقرب لاتفاق منذ اندلاع الحرب، رغم عدم التوصل إلى تفاهم نهائي حتى الآن.
وبحسب المعلومات الواردة، فإن الاتفاق المقترح يتضمن مجموعة من البنود الجوهرية التي قد تعيد رسم المشهد الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وحركة الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
أوضح التقرير أن مذكرة التفاهم تتكون من 14 نقطة رئيسية، وتجري صياغتها عبر مفاوضات يقودها المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بالتواصل المباشر وغير المباشر مع مسؤولين إيرانيين، إضافة إلى وسطاء إقليميين ودوليين.
ويتضمن الاتفاق التزام إيران بوقف مؤقت لعمليات تخصيب اليورانيوم، مقابل موافقة الولايات المتحدة على تخفيف العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة.
كما يشمل الاتفاق رفع القيود المفروضة على حركة العبور في مضيق هرمز، إلى جانب تخفيف الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، وهو ما قد يساهم في تهدئة واحدة من أخطر الأزمات التي هددت إمدادات الطاقة والتجارة العالمية خلال الأشهر الأخيرة.
وأشار التقرير إلى أن الصيغة الحالية للمذكرة تنص على إعلان رسمي لإنهاء الحرب في المنطقة، مع بدء فترة تفاوض تمتد 30 يومًا، يتم خلالها العمل على التوصل إلى اتفاق أكثر تفصيلًا بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، والقيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، وآلية رفع العقوبات الأمريكية.
وفي السياق ذاته، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية لشبكة سي إن بي سي إن طهران تدرس مقترحًا أمريكيًا يتعلق بالتوصل إلى تسوية للأزمة، وهو ما عزز من تفاؤل الأسواق بإمكانية حدوث اختراق دبلوماسي فعلي خلال الأيام المقبلة.
كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الثلاثاء، تعليق مشروع الحرية، وهو الخطة الأمريكية التي كانت تهدف إلى مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، مؤكدًا أن القرار جاء بسبب إحراز “تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران”.
وأكد مصدر باكستاني مشارك في الوساطة بين واشنطن وطهران لرويترز أن الطرفين يقتربان من اتفاق أولي يتضمن مذكرة تفاهم مختصرة من صفحة واحدة، ما عزز الاعتقاد بأن الأزمة ربما تتجه نحو التهدئة بدلًا من التصعيد.

انهيار النفط مع تراجع مخاطر الإمدادات
وكانت سوق النفط الأكثر تفاعلًا مع التطورات السياسية، إذ واصلت الأسعار خسائرها الحادة خلال تعاملات الأربعاء، مع تزايد الرهانات على عودة الإمدادات بشكل طبيعي من منطقة الشرق الأوسط.
وهبطت عقود خام برنت بنحو 10.07 دولارات، أو ما يعادل 9.2%، لتصل إلى 99.80 دولارًا للبرميل، متراجعة دون مستوى 100 دولار للمرة الأولى منذ 22 أبريل.
كما تراجعت عقود خام غرب تكساس الأمريكي بنحو 10.79 دولارات، أو 10.6%، لتسجل 91.48 دولارًا للبرميل.
وتتجه الأسعار بذلك نحو تسجيل أكبر خسائر يومية بالقيمة المطلقة خلال شهر كامل، بعدما كانت قد فقدت بالفعل نحو 4% في الجلسة السابقة، وسط تراجع المخاوف من استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.
الذهب يقفز والدولار يتراجع بقوة
في المقابل، قفزت أسعار الذهب بأكثر من 3% خلال تعاملات الأربعاء، لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، مستفيدة من هبوط الدولار وأسعار النفط، وما نتج عن ذلك من تراجع الضغوط التضخمية التي كانت تدعم سابقًا توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول.
وارتفع الذهب الفوري بنسبة 3.2% إلى 4703.09 دولارات للأوقية، وهو أعلى مستوى منذ 27 أبريل، بينما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم يونيو بنسبة مماثلة إلى 4714 دولارًا.
ويرى متعاملون أن الأسواق بدأت في إعادة تسعير مسار السياسة النقدية الأمريكية، مع انحسار مخاطر التضخم المرتبطة بالطاقة، خاصة بعد التراجع القوي في أسعار النفط.
وفي الوقت نفسه، واصل الدولار الأمريكي خسائره، ليمحو كامل المكاسب التي حققها منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، بعدما زادت التوقعات بأن انتهاء الصراع قد يقلل الطلب على العملة الأمريكية كملاذ آمن.

وتراجع مؤشر الدولار الفوري بنسبة وصلت إلى 0.8% ليسجل أدنى مستوياته منذ 26 فبراير، بعد التقرير الذي تحدث عن اقتراب واشنطن وطهران من اتفاق لإنهاء الحرب.
كما فقدت العملة الأمريكية جزءًا كبيرًا من قوتها أمام معظم العملات الرئيسية، في وقت ارتفعت فيه العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بقوة، بالتزامن مع استمرار تراجع أسعار النفط.
إعادة تسعير شاملة للمشهد العالمي
وتعكس التحركات المتزامنة في الأسهم والنفط والذهب والعملات حالة إعادة تسعير شاملة تشهدها الأسواق العالمية، مع انتقال المستثمرين تدريجيًا من سيناريو الحرب والتصعيد إلى سيناريو التهدئة والاتفاق السياسي.
وخلال الأسابيع الماضية، دفعت الحرب في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، وأثارت مخاوف واسعة بشأن التضخم العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة، ما تسبب في ضغوط كبيرة على الأسهم والعملات والأسواق الناشئة.
لكن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها تعليق مشروع الحرية وظهور مؤشرات على قرب التوصل لاتفاق أمريكي إيراني، دفعت المستثمرين إلى تغيير مراكزهم الاستثمارية بسرعة، مع زيادة الإقبال على الأسهم والأصول عالية المخاطر، مقابل التخارج من الدولار والنفط.
ورغم هذا التفاؤل، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع المشهد، في ظل غياب اتفاق رسمي نهائي حتى الآن، إضافة إلى احتمالات تعثر المفاوضات أو عودة التوترات العسكرية في أي لحظة، وهو ما قد يعيد التقلبات الحادة إلى الأسواق العالمية مجددًا.
