شهدت الأسواق العالمية في بداية تعاملات هذا الأسبوع (الاثنين، 2 مارس 2026) حالة من التذبذب الحاد والميل نحو الملاذات الآمنة، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثار مخاوف جدية بشأن إمدادات الطاقة العالمية.
إليك تحليل لحركة الأسواق الرئيسية في مستهل الأسبوع:
1. أسواق الأسهم: تباين وحذر
سادت حالة من “الهروب من المخاطر” (Risk-off) في الأسواق الآسيوية والأوروبية، بينما أظهرت الأسهم الأمريكية مرونة نسبية رغم الضغوط:
* الأسواق الآسيوية: تراجعت الأسهم بنسبة بلغت 1.3%، متأثرة بالمخاوف من تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن.
* الأسهم الأمريكية: افتتحت المؤشرات الرئيسية على تباين؛ حيث ارتفع مؤشر Nasdaq بنسبة 0.54%، بينما سجل S&P 500 زيادة طفيفة بنحو 0.26%. ورغم هذه الارتفاعات، شهدت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل Nvidia) ضغوطاً بيعية، في حين انتعشت أسهم قطاعي الطاقة والدفاع.
* الأسواق الإقليمية: تم تعليق التداول في بعض أسواق المنطقة (مثل أسواق الإمارات) كإجراء احترازي نظراً للظروف الجيوسياسية الراهنة.
2. النفط والطاقة: اشتعال الأسعار
كان قطاع الطاقة هو الأكثر تأثراً، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز “عملياً” إلى قفزة في الأسعار:
* ارتفعت أسعار خام برنت لتقترب من حاجز 80 دولاراً للبرميل.
* قفزت العقود الآجلة بنسبة تجاوزت 7% في لحظات معينة من يوم الاثنين، مع تزايد علاوة المخاطر الناجمة عن احتمال تعطل 20% من إمدادات النفط العالمية التي تمر عبر المضيق.
أما
الغاز الطبيعي (Natural Gas): اشتعال الأسعار ومخاوف نقص الإمدادات
إذا كان النفط هو “الشريان” الذي يغذي الاقتصاد العالمي، فإن الغاز الطبيعي هو “الوقود” الحيوي لإنتاج الكهرباء والصناعات الثقيلة. وقد تضررت أسعاره بشدة من التهديدات القائمة في مضيق هرمز.
الأداء السعري: شهدت أسعار الغاز الطبيعي قفزة جنونية وهائلة، حيث ارتفعت بنسبة تتراوح بين 15% و 20% في بعض العقود الآجلة الرئيسية (مثل عقود Henry Hub وعقود الغاز الأوروبي – TTF) في غضون ساعات قليلة من بداية التداول يوم الاثنين.
الأرقام: ارتفعت الأسعار لتتجاوز مستويات 3.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الولايات المتحدة، بينما سجلت الأسعار في أوروبا قفزات أكبر بكثير نظراً لاعتمادها الكبير على الغاز المسال المستورد.
الأسباب:
خطر تعطل شحنات الغاز المسال (LNG): يُعد مضيق هرمز ممرًا حيويًا لشحنات الغاز الطبيعي المسال المتجهة من قطر (أحد أكبر المصدرين في العالم) إلى أوروبا وآسيا. أي إغلاق فعلي للمضيق يعني وقف هذا التدفق.
المخزونات المنخفضة في أوروبا: تأتي هذه الأزمة في وقت لا تزال فيه مخزونات الغاز في أوروبا قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية في هذا الوقت من العام، مما يجعلها سريعة التأثر بأي انقطاع في الإمدادات.
المضاربة المفرطة: أدت حالة الذعر واليقين من أن الإمدادات قد تتعطل إلى موجة شراء هستيرية من قبل التجار والمضاربين الذين يسعون للحصول على العقود بأي ثمن.

3. الملاذات الآمنة والعملات المشفرة
في الأزمات، يتجه المستثمرون تقليدياً نحو الذهب والعملات الرقمية كبدائل للتحوط:
* الذهب: سجل مستويات قياسية جديدة، حيث قفزت الأونصة لتتجاوز 5,300 دولار في بعض البورصات العالمية، محققة مكاسب يومية فاقت 2%.
* العملات المشفرة: شهدت انتعاشاً ملحوظاً، حيث ارتفع البيتكوين بنحو 5.4%، مما يعزز فرضية استخدامه “كمخزن للقيمة” في أوقات الاضطرابات السياسية.
أما
الفضة (Silver): صعود قياسي مدفوع بالطلب على الملاذات الآمنة
لم تكن الفضة بمنأى عن “حمى الذهب”؛ بل استفادت بقوة من صفتها كملاذ آمن أصغر حجماً وأكثر تقلباً، بالإضافة إلى دورها الصناعي الهام.
- الأداء السعري: سجلت الفضة ارتفاعاً قوياً بنسبة بلغت 4.1% في بداية تعاملات الأسبوع (الاثنين، 2 مارس 2026).
- الأرقام: قفزت أسعار الفضة لتصل إلى مستويات قياسية، متجاوزة حاجز 58.60 دولاراً للأونصة، في أعلى مستوى لها منذ عدة سنوات.
- الأسباب:
- التحوط ضد التضخم والمخاطر: في ظل شبح الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، يلجأ المستثمرون إلى المعادن الثمينة كأصول حقيقية تحافظ على قيمتها.
- المضاربة الشرسة: أدى الارتفاع الصاروخي للذهب إلى جذب المضاربين نحو الفضة، متوقعين استمرار موجة الصعود.
- الآفاق الصناعية: رغم الأزمة الجيوسياسية، لا تزال الآفاق الصناعية طويلة المدى للفضة (خاصة في صناعة الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية) قوية، مما يدعم الطلب الأساسي.
4. سوق العملات (الفوركس)
* الدولار الأمريكي: حافظ على قوته كملاذ آمن، مما ضغط على العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والجنيه الإسترليني، واللذين تراجعا بنسب طفيفة دون مستوى 0.5%.
ملخص المشهد
تتحرك الأسواق الآن تحت تأثير “اقتصاد الحرب”، حيث يراقب المستثمرون عن كثب أي مؤشرات لتهدئة الصراع أو اتساع رقعته. تظل قطاعات الشحن، الطيران، والطاقة هي الأكثر عرضة للتقلبات في الأيام القادمة.
