يمتد العصر البرونزي المتأخر من حوالي 1600 ق.م حتى ظهور الحديد. وقد كان لصناعة البرونز في الصين قيمة خاصة جداً وأصبح صب البرونز ونقشه فنا من الفنون الجميلة الصينية، وأخرجت منه البلاد مجموعات تطلب حصر أسمائها وتصنيفها اثنين وأربعين مجلدا. وكان يصنع منه أواني للحفلات الدينية التي تقيمها الحكومة أو يقيمها الأفراد في منازلهم، وقد أحال آلافاً من أنواع الأواني المنزلية إلى تحف فنية، وليس في العالم كله ما يضاهي مصنوعات الصين البرونزية إلا ما صنع منها في  إيطاليا في عهد النهضة الأوربية، ولعلها لا يضاهيها من هذه المصنوعات إلا “أبواب الجنة” التي وضع تصميمها غبرتي Ghiberti ليزين بها موضع التعميد في فلورنس. وأقدم ما لدينا من القطع البرونزية الصينية أواني قربانية كشفت حديثاً في هونان ؛ ويرجعها العلماء الصينيون إلى عهد أسرة شانگ، ولكن الخبراء الأوربيين يرجعونها إلى عهد متأخر عن ذلك الوقت وإن كانوا لا يحددون تحديداً مضبوطاً.

وأقدم الآثار المعروفة تاريخها هي التي ترجع إلى عهد أسرة جو ومن أروعها كلها مجموعة آنية الحفلات المحفوظة في متحف متروبوليتان بنيويورك. وقد استولى شى أونج دي على معظم ما كان لدى أسرة جو من آنية برونزية لئلا يصهرها الأهلون ليتخذوا منها أسلحة. وصنع ما تجمع له من هذا المعدن اثنا عشر تمثالا ضخما يبلغ ارتفاع كل منها خمسين قدماً، ولكن هذه التماثيل كلها لم تبق منها قدم واحد. وقد صنعت في عهد أسرة هان كثير من الآنية الجميلة طعمت أحياناً بالذهب. وليس أدل على رقي هذا الفن في الصين من أن الفنانين الذين دربوا في تلك البلاد هم الذين صنعوا عدداً من التحف التي تعد من روائع الفن، والتي زين بها هيكل هرتوجي في مدينة نارا اليابانية. وأجملها كلها ثلاثة تماثيل لأميدا – بوذا تصورها جالسة على أسرة في صورة زهرة الأزورد ؛ وهي أجمل ما وجد من تحف في تاريخ صناعة البرونز في العالم أجمع. ووصل فن البرونز إلى ذروة مجده أيام أسرة سونج، وإذا كانت التحف التي صنعت منه لم ترق إلى ذروة الكمال فإنها قد بلغت الغاية في كثرة عددها وتباين أشكالها ؛ فقد صنعت منه قدور ودنان خمر، وآنية، ومباخر، وأسلحة، ومرايا، ونواقيس، وطبول ومزهريات ؛ وكانت الآنية المنقوشة والتماثيل الصغيرة تملأ الرفوف في دور خبراء الفن وهواته، وتجد لها مكاناً في كل بيت من بيوت الصينيين. ومن أجمل النماذج الباقية من أيام أسرة سوج مبخرة في صورة جاموسة، وقد ركب عليها لو دزه وهو هادى مطمئن ليثبت بهذا قدرة الفلسفة على إخضاع الوحوش الكاسرة، ولا يزيد سمك جدران المبخرة على سمك الورقة، وقد اكتسبت على مر الزمان قشرة أو طبقة خضراء مرقشة خلعت عليها جمال القدم، ثم انحط هذا الفن انحطاطاً تدريجياً بطيئاً في عهد أسوة منج. فزاد حجم التحف وقلت جودتها، وأصبح البرونز، الذي كان مقصوراً على صنع آيات الفن في عهد الإمبراطور يو، فناً عاما تصنع منه الآنية العادية التي تستخدم في الأغراض اليومية، وتخلى في مكانته الأولى للخزف. ولم يكن النحت من الفنون الكبرى، ولا من الفنون الجميلة، عند الصينيين. وسبب هذا أن تواضع الشرق الأقصى أبى عليه أن يتخذ الجسم البشرى نموذجاً من نماذج الجمال. ولهذا فإن الذين اتخذوا صناعة التماثيل البشرية حرفة لهم وجهوا قليلا من عنايتهم إلى تمثيل ما على الأجسام من ملابس، واستخدموا تماثيل الرجال – وقلما استخدموا تماثيل النساء – لدراسة بعض أنواع الإحساسات أو لتصويرها ؛ ولكنهم لم يمجدوا الأجسام البشرية. ومن أجل ذلك تراهم في الغالب قد قصروا تصوير الناس على تماثيل القديسين البوذيين والحكماء الدويين، وأغفلوا تصوير الرياضيين والسراري ممن كانوا وكن مصدر الإلهام للفنانين من اليونان.

وكان المثالون الصينيون يفضلون تمثيل الحيوانات على تمثيل الفلاسفة والحكماء أنفسهم. وأقدم ما نعرفه من التماثيل الصينية التماثيل الإثنى عشر الضخمة المصنوعة من البرونز، والتي أقامها شى هوانج دي. وقد صهرها فيما بعد أحد الحكام من أسرة هان لا يتخذ منها “فكة” برنزية. وبقي من أيام أسرة هان عدد قليل من التماثيل البرونزية، ولكن كل ما صنع منها في ذلك العهد إلا قلة ضئيلة قضت عليه الحرب أو قضى عليها الإهمال الطويل الأمد.

والتماثيل البشرية قليلة أيضاً في هذه القلة الباقية، والأثر الهام الوحيد الباقي من أيام أسرة هان نقش بارز من نقوش القبور، عثر عليه في شانتونگ. وصور الآدميين القليلة نادرة في هذا النقش أيضاً، وأهم ما يشغل رقعته صور حيوانات بارزة رقيقة. واقترب من هذا النقش إلى صناعة النحت التماثيل الجنازية الصغيرة المتخذة من الصلصال – وأكثرها حيوانات منها قلة تمثل خدماً أو زوجات -وكانت تدفن مع الموتى من الذكور عوضا عن الأزواج والخدم الأحياء. وقد بقيت من هذا العهد تماثيل مستقلة لحيوانات منها تمثال رخامي لنمر كله عضلات يمثل اليقظة أدق تمثيل، وكان يتولى حراسة معبد اسنيانج فو ؛ ومن هذا الدببة المزنجرة التي تشتمل عليها الآن مجموعة جاردنر Gardner في مدينة بوسطن، ومنها الأسود المجنحة المصابة بتضخم الغدة الدرقية والتي وجدت في مقابر نانكنج. وكل هذه الحيوانات والخيول المزهوة الممثلة في نقوش القبور البارزة السالفة الذكر تشهد بما كان للفن اليوناني البكتري والفن الآشوري والسكوذي من أثر في الفن الصيني ؛ وليس فيها شيء من مميزات الفن الصيني الخالص.

تجاريا وصناعيا

لعبت التجارة والصناعة دورًا رئيسيًا في تطوير حضارات العصر البرونزي القديم. مع وجود قطع أثرية من حضارة وادي السند في بلاد ما بين النهرين القديمة ومصر ، من الواضح أن هذه الحضارات لم تكن على اتصال ببعضها البعض فحسب ، بل كانت تتاجر أيضًا مع بعضها البعض. اقتصرت التجارة المبكرة لمسافات طويلة بشكل حصري تقريبًا على السلع الكمالية مثل التوابل والمنسوجات والمعادن الثمينة. لم يقتصر الأمر على جعل المدن ذات الكميات الوفيرة من هذه المنتجات غنية للغاية ، بل أدى أيضًا إلى اختلاط الثقافات لأول مرة في التاريخ.

لم تكن طرق التجارة فوق الأرض فحسب ، بل كانت فوق المياه أيضًا. كانت طرق التجارة الأولى والأكثر اتساعًا عبر الأنهار مثل نهر النيل ودجلة والفرات مما أدى إلى نمو المدن على ضفاف هذه الأنهار. كما ساعد تدجين الإبل في وقت لاحق على تشجيع استخدام طرق التجارة البرية ، التي تربط وادي السند بالبحر الأبيض المتوسط. أدى هذا أيضًا إلى ظهور المدن بأعداد كبيرة في أي مكان وفي كل مكان كان هناك محطة توقف أو ميناء قافلة إلى سفينة.