يعتقد الكثير أننا لابد أن نتجنب المشاكل أو الفشل أو السلبية دائماً ولا نذكرها أبداً، وفي الحقيقة هم يستندون في ذلك إلى أقوال مدربي التنمية البشرية – أتباع المدارس الكلاسيكية القديمة – مثل “لا تنظر إلى نصف الكأس الفارغ لكن انظر إلى النصف الممتلئ” و “إذا كان الجو بارداً فقل لنفسك الجو جميل والدنيا ربيع” و “إذا كنت فاشلاً قل لنفسك دائماً أنك ناجح” و “إذا كنت قصير القامة قل لنفسك دائماً أنك طويل”. كل هذه الأقوال جيدة ومحفزة للذات لكن مهلاً؛ “هل تم حل المشكلة؟” وللإجابة على هذا السؤال يجب طرح سؤال آخر “هل المشكلة حقيقية؟” أو بمعنى آخر هل المشكلة تتسبب في عقبة حقيقية على المستوى الشخصي أو على المستوى المهني أم لا.

وقد قال أندرو كارينجي “الابتعاد عن المشاكل لا يعني الضعف، بل يعني أنك أكثر قدرة على الاستمتاع بحياتك” وأنا أؤيد فعلا الابتعاد عن المشاكل التي لا تؤثر على مجريات حياتنا ولا تتسبب لنا في العقبات والتي أسميها هنا مشاكل غير حقيقية والتي يجب تجنبها فعلا وممكن هنا أن ننظر إلى نصف الكأس الفارغ فعلاً؛ أما المشاكل التي يكون لها أضرار فيما بعد فهي المشاكل الحقيقية والتي يجب مواجهتها والوقوف لبحث أسبابها وعلاجها، ويجب اتخاذ إجراءات فورية، وتصبح الأقوال السابقة غير صحيحة.



إذا كان نصف الكأس الفارغ يمثل سلبية أو مشكلة فيجب عدم النظر إليه فعلاً إذا كانت المشكلة غير حقيقية؛ لكن إذا كانت المشكلة حقيقية فيجب النظر إليه لحل المشكلة ومن ثم أستمتع بنصف الكأس الممتلئ. وإذا كان الجو بارداً ممكن لبس جاكيت ثم أستمتع بالجو البارد. وإذا كنت فاشلاً فما السبب يجب أن أتعامل مع السبب وأقوم بعلاجه ومن ثم يأتي النجاح. وإذا كنت قصير القامة فهذا في الأساس ليست مشكلة فمن الممكن أن تقول لنفسك فعلاً أنك إنسان طبيعي لكن إذا كان ذلك يؤثر عليك نفسياً ممكن أن تلبس حذاء بكعب عالي وتتعامل بشكل طبيعي. فغالباً إذا تركنا المشكلة ولم ننظر إليها ولم نتخذ إجراء لعلاجها وعلاج أسبابها فيزداد حجم المشكلة بشكل يصعب السيطرة عليها فيما بعد.

على المستوى الشخصي قد تحدث مشكلة في الوصول لهدف شخصي مثل عدم تحقيق درجات النجاح في الاختبار أو عدم الزواج ممن نحب، فإذا لم تعالج المشكلة يؤدي ذلك إلى حزن، والحزن مع الوقت يؤدي إلى اكتئاب، والاكتئاب قد يؤدي إلى إيذاء النفس ومع الوقت يصعب السيطرة عليه وقد يصل في بعض الأحيان إلى الانتحار. لذلك يجب التعامل مع المشكلات الحقيقية بعين الاعتبار وعدم تركها بحجة أننا نتجنب السلبيات ونركز على الإيجابيات فقط، فيجب القضاء على السلبيات أولاً وبشكل سريع وجزري حتى نستطيع أن نستمتع بالإيجابيات. أما إذا كانت المشكلة غير حقيقية فيجب تجنبها فعلاً وعدم التفكير فيها. وقد قال نزار قباني “لو كانت المشاكل تحل بالهروب، لكانت الكرة الأرضية كوكب مهجور”

وعلى المستوى المهني أو في العمل فالمشكلة قد تكون عدم تحقيق هدف بيعي مثلاً أو هدف إنتاجي أو هدف تسويقي، أيضاً قد تكون المشكلة أخذ أمور العمل بشكل شخصي، فيجب أيضاً عدم ترك المشكلة بحجة أن النظر إلى المشاكل نوع من السلبية ويجب عدم الاهتمام به والتركيز على الإيجابيات الأخرى في العمل وأن أهداف أخرى تم تحقيقها مثل هدف بناء العلامة التجارية مثلاً أو تحقيق سمعة جيدة للشركة؛ لكن في الحقيقة إذا تركت المشكلة بدون حل فسوف يزداد حجمها وتؤثر على باقي الأهداف، وهنا يجب البحث عن أسباب المشكلة وحلها. وأحيانا إذا توقفنا عن الاهتمام بأمور العمل فلن تظهر مشاكل كما قال قيودور دستويفسكي “توقفت عن الاهتمام بأي شيء فتلاشت كل المشاكل”؛ لكن هل ذلك مناسب في بيئة العمل؟ أعتقد لا.. لأن أمور العمل يجب أن تسير حسب الخطة المتفق عليها والمفترض أنه لا يوجد في خطة العمل أمور غير مهمة.

الخلاصة عند حدوث مشكلة يجب التأكد أنها مشكلة حقيقية عن طريق السؤال هل هذه المشكلة لها عواقب مؤثرة على المستوى الشخصي أو المهني، ثم نقوم بتحديد المشكلة بشكل علمي، ثم نقوم بجمع المعلومات وإيجاد البدائل المناسبة لعلاج المشكلة ودراسة هذه البدائل وتحديد البديل المناسب مع طبيعة المشكلة، ثم اختبار وتطبيق البديل الذي تم اختياره، وأخيرا المتابعة وتقييم النتائج. ولا مانع أن نعيد الدائرة مرة أخرى إذا حدث فشل في حل المشكلة عن طريق تطبيق بديل آخر مناسب بعد استشارة ذوي الخبرة.