كثيراً نسمع عن كتب تنمية الذات أو دورات التنمية الذاتية، وإذا ذهبنا إلى المكتبة سوف نجد الكثير من الكتب حول هذا الموضوع والتي غالبا ما تكون كتب مترجمة عن أصول أجنبية؛ حيث تفتقر المكتبة ذات الأصول العربية إلى الكثير من المجالات منهم مجال تنمية الذات.

والتنمية الذاتية هو مصطلح يرمز إلى الكتب والدورات والمحاضرات التي تزعم قدرتها على حل المشاكل الذاتية الشخصية والنفسية والعلاقات الاجتماعية والمتعلقة بالعمل أيضاً. وللتنمية الذاتية Self-Development عدد من الأسماء المرادفة مثل تطوير الشخصية Personal Development أو المساعدة الذاتية Self Help أو المهارات الناعمة Soft Skills أو المهارات الحياتية Life Skills.

وتطوير الذات مرتبط بتطوير وتنمية المهارات المتعلقة بمهارات التفكير ومهارات القيادة ومهارات الاتصال ومهارات التفاوض ومهارات العمل الجماعي ومهارات إدارة الوقت ومهارات التخطيط ومهارات تحليل الشخصية ومهارات كسب الأصدقاء مهارات إدارة الغضب ومهارات اقتصادية ومهارات إدارية وغيرها من المهارات المطلوبة لتطوير الذات.

أما التنمية البشرية Human Development فهي تختلف عن التنمية الذاتية حيث التنمية البشرية مصطلح عام يشير إلى عدد من المهارات المطلوبة من قبل الحكومات والمنظمات للنهوض بمستوى البشر بشكل عام، وتنقسم إلى عدد من المجالات منها المجال الثقافي والمجال الاجتماعي والمجال السياسي والمجال الإداري والمجال النفسي وغيرها من المجالات التي من شأنها النهوض بمستوى البشر، وتهتم بعدد من القضايا مثل عمل المرأة والحد من عمل الأطفال والفقر ومعدلات الأجور والصحة والتعليم والبيئة وغيرها من القضايا.

وهنا يجب أن نسأل هل التنمية الذاتية علم أكاديمي؟ والإجابة هنا أن التنمية الذاتية ليس بعلم أصلاً وهناك من يسميه بالعلم الزائف؛ إنما هو مدارس منهم من يعتمد على أساس علمي مثل مدرسة علم النفس، ومدرسة علم الاجتماع، ومدرسة علم الإدارة. فعلوم النفس والاجتماع والإدارة هي علوم حقيقية مثل الطب والهندسة لهم نظريات وأسس وقوانين. ومنهم من يعتمد على أساس غير علمي مثل مدارس التجربة الشخصية والعلاج بالطاقة والتنويم الإيحائي والبرمجة اللغوية العصبية. ومن يريد الاهتمام بالتنمية الذاتية عليه اخيار المدرسة المناسبة حسب اهتماماته.

ونجد أن المدارس التي تعتمد على أساس علمي مثل مدرسة علم النفس Psychology، إذا اعتبرنا أن الإنسان عبارة عن جهاز كمبيوتر يتكون من مكونات مادية Hardware وبرمجيات Software، فجانب الـ Hardware يهتم به علم الطب وجانب الـ Software يهتم به علم النفس يهتم بإعدادات Settings العقل والقلب والتحليل النفسي ومهارات التفكير وإدارة الغضب وغيرها، وهناك فروع لعلم النفس تهتم بالتنمية الذاتية أهمها علم النفس الإيجابي حيث في رأس سنة 1997م اجتمع بعض علماء علم النفس وفي النقاش اكتشفوا أن كل التجارب النفسية تجرى على أفراد من المرضى النفسيين ولم يتم دراسة النفس للأفراد الناجحين والسعداء، ومن هنا ظهرت مدرسة جديدة لتنمية الذات تعرف بعلم النفس الإيجابي. ومن أشهر المؤلفون الذين لهم خلفية أكاديمية في علم النفس جيل لندنفيلد Gael Lindenfield صاحبة السلسلة الشهيرة في تطوير الشخصية، ود. فيليب ماكجرو Phillip McGraw صاحب البرنامج الشهير د. فيل، وجون جراي John Gray مؤلف الرجال من المريخ والنساء من الزهرة.

ومدرسة علم الإدارة Management Science وهو يتعامل مع الأفراد على أنهم عمال في منشأة يحتاج إلى تحفيز الموظفين لزيادة الإنتاج، وزيادة رضا العاملين، وإدارة فريق العمل، وإدارة وتنظيم الوقت، ومهارات التفاوض. ودورات أخرى تعرف أيضا بـ Soft Skills، مثل كتب الإدارة لجاك ويلش Jack Welch أفضل مدير تنفيذي في القرن العشرين، وأيضاً كتب جون سبنسر John Spencer.

ومدرسة علم الاجتماع Sociology مثل علم اجتماع التنمية والذي يهتم بتطور البشر في علاقاتهم المشتركة وهذا ما يسميه بالتوافق في العلاقات الاجتماعية. وعلم الاجتماع المعرفي حيث يعد من المجالات الحديثة في علم الاجتماع على اعتبار أن المجتمع يؤثِر في المعرفة، وأن المعرفة تكون بذلك نتيجة مستخلصة من عدة ظواهر اجتماعية، وعلم الاجتماع الديني حيث يعتقد بأن المجتمعات كلها تتأثر بهذا المجال ولذلك فهو يعتمد على قياس وتحليل مدى تأثير وفاعلية المعتقدات الدينية في الحياة الاجتماعية اليومية.

ونجد أن المدارس التي تعتمد على أساس غير علمي مثل مدرسة التجربة الشخصية Personal Experience وهي أن هناك أفراد ناجحين في المجتمع ويعلِمون الناس كيف نجحوا من خلال المحاضرات أو الكتب؛ لكن يجب التنويه بأن هناك الكثير من الناجحين لا يعرفون كيف نجحوا. ومن أمثلة الكتب لهذه المدرسة كتاب كيف تصبح مليونيرا للملياردير الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump، وكتب عن التواصل الناجح للمذيع الشهير لاري كينج Larry King.

ومدرسة العلاج بالطاقة Energy therapy مثل طريقة الهالة أو باليابانية ريكي 霊気 وتعرف بالإنجليزية بـ Palm Healing، وهو عبارة عن تقنية يابانية المنشأ، بدأ استخدامها في اليابان في بداية القرن العشرين كنوع من الطب البديل. وهي تقنية لا تشفي تماماً من الأمراض، ولكنها تساعد على السيطرة على الأعراض المزعجة للعديد من الأمراض، ويتم عبر قيام المعالج بوضع يده فوق مواضع معينة من الجسم لتحفيز قدرات الجسم على الشفاء الذاتي.

ومدرسة التنويم الإيحائي Hypnotherapist مثل طريقة سيلفا للتحكم العقلي Silva Mind Control (SMC) لصاحبها خوسيه سيلفا José Silva. والتنويم الإيحائي أو التنويم المغناطيسي هو حالة ذهنية هادئة ومسترخية، يستقبل فيها اللاوعي الايحاءات ويستجيب لها بحالة أوسع وفي هذه الحالة يكون العقل الباطن مستجيب بشكل كبير للاقتراحات والإيحاءات.

ومدرسة البرمجة اللغوية العصبية NLP أو Neuro-linguistic programming وهي مبنية على خليط من بعض التقنيات في مدرسة التنويم الايحائي والعلاج بالطاقة، وهي للتواصل والتنمية الشخصية والعلاج النفسي ابتكرها كل من ريتشارد باندلر Richard Bandler وجون غريندر John Grinder من كاليفورنيا في الولايات المتحدة في السبعينيات من القرن الماضي. يدعي المنظرون في البرمجة اللغوية العصبية أن هناك علاقة بين العمليات العصبية واللغة وأنه يمكن برمجتها لخلق تغيير في القدرات الشخصية وطريقة التفكير.

ولا ننسى ذكر المدرسة الدينية إذ يمكن أن نعتبر أن الدين أعظم مدرسة للتنمية الذاتية على اعتبار أنه ينظم حياتنا وينميها ويزودنا بالأخلاق الحميدة والراحة النفسية والروحية، والدين هو أسلوب حياة ويمكن الاقتداء بالأنبياء والرسل كنموذج للنجاح والإيمان بالله.

الخلاصة التنمية الذاتية لها مدارس كثيرة ويجب الحرص والمعرفة عند اختيار الكتب أو المحاضرات التدريبية أو التحفيزية التي تحضرها، حيث لكل مؤلف أو محاضر أو محفز مدرسة يتبعها ويروج لها، وهناك من يدرس علوم أصيلة ليقدم هذه المعرفة عن التنمية الذاتية، لكن أيضا هناك أشخاص أهلتهم دورات تدريبية تقاس بعدد الساعات لا تقوم على مناهج علمية أو كتب ولا يقدمون في دوراتهم مناهج علمية وهو محض كلام يفتقر إلى المعرفة الأكاديمية والمهارات التدريبية حسب المنهج العلمي.