يعد التبادل التجاري أحد أهم الأنشطة التي قام بها البشر على مدار التاريخ، وقد تطورت التجارة لأن الأفراد لم يكن لديهم جميع المنتجات التي تلبي احتياجاتهم، وذلك وفقًا لتقرير نشره موقع “ورلد أطلس”.

ولأن بعض المنتجات كانت متوافرة في أماكن معينة دون غيرها، فكانت هناك حاجة لإنشاء طرق لنقل البضائع إلى الأماكن التي لا تتوافر بها.


وقد شهدت المناطق التي كانت تمر هذه الطرق عبرها تطورًا كبيرًا، حيث تم تشييد مدن لتكون بمثابة مكان يستريح فيها التجار.


أهم الطرق التجارية التي عرفها التاريخ

ومرت الطرق التجارية عبر مناطق جغرافية عديدة مثل المحيطات والصحاري، واعتمدت الطرق التي كانت تمر بالصحراء على الواحات بشكل كبير لإمداد التجار بالمياه.

لم تكن الطرق التجارية قديماً مجرد معابر لتبادل السلع النادرة والبضائع، بل كانت مصدراً للتبادل الفكري والثقافي بين الشعوب المختلفة، وساهم معظمها في انتشار الأديان والفنون والمعرفة في أجزاء مختلفة من العالم، تعرفوا معنا على أهم الطرق التجارية التي عرفها التاريخ:

والطرق التجارية هي شبكة تربط الأسواق التجارية في الحواضر والمدن مع بعضها بسلسلة لنقل البضائع والسلع التجارية سواء عن طريق البر أو البحر؛ ويتفرع عن الطريق التجاري الرئيس شبكات من الطرق الفرعية الصغيرة.

كانت الطرق تسمى عادة بالسلعة التي يتاجر بها؛ ومن بين الطرق التجارية المعروفة طريق الحرير وطريق الكهرمان، وطريق التوابل خاصة في العصور الوسطى.

كما نشأت في أوروبا تكتلات ومنظمات مثل الرابطة الهانزية بهدف حماية مصالح التجار، مما أدى إلى ازدهارها.

مع تطور وسائل النقل واختلاف أسلوب العلاقات السياسية والتجارية بين الدول أخذت الطرق التجارية شكلاً مختلفاً عما كان عليه الحال في العالم القديم ووفق اتفاقيات التجارة الحرة دون قيود. تتضمن ابتكارات النقل في الأيام الحديثة، النقل بخطوط الأنابيب وطرق السكك الحديدية وطرق السيارات والشحن الجوي.

نشأة الطرق الأولى

النشأة الأولى


نشأت الطرق التجارية ذات المسافات الطويلة في العصر النحاسي. شهدت الفترة الممتدة من منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد إلى بداية الحقبة العامة وجود مجتمعات في جنوب شرق آسيا وغرب آسيا وحوض المتوسط والصين وشبه القارة الهندية، تُنشئ شبكات نقل تجارية كبيرة.

كان التحميل واستئناس الحيوانات التي تجر الأحمال أحد الوسائل الحيوية التي سهلت التجارة لمسافات طويلة. كان يمكن للقوافل المنظمة، التي ظهرت بحلول الألفية الثانية قبل الميلاد، حمل البضائع عبر مسافات طويلة إذ كان العلف متوفرًا في معظم الأحيان على طول الطريق. سمح استئناس الجمال للقبائل العربية بالسيطرة على عمليات التجارة ذات المسافات الطويلة في مجال البهارات والحرير من الشرق الأقصى إلى شبه الجزيرة العربية. كانت المقطورات مجدية في التجارة لمسافات الطويلة ويرجع السبب بمعظمه إلى أنها حملت بضائع فاخرة، إذ لم يكن نقل البضائع الرخيصة عبر مسافات طويلة مُربحًا لمتعهدي المقطورات. مع التطورات الفعالة في تقنيات الحديد والبرونز، بدأت طرق تجارية أحدث – تنشر ابتكارات الحضارات – بالظهور.

التجارة البحرية

كانت الملاحة البحرية معروفة في الحضارة السومرية بين الألفيتين الثالثة والرابعة قبل الميلاد. امتلك المصريون طرق تجارية عبر البحر الأحمر، يستوردون البهارات من «أرض البنط» (شرق أفريقيا) ومن شبه الجزيرة العربية.

كان من بين الدلائل الأولى على التجارة البحرية في آسيا، شبكات تجارة العصر الحجري الحديث (أو العصر النيوليثي) الخاصة بالشعوب الأسترونيزية، الذين كانوا أول من اخترع سفن عابرة للمحيطات، ومن بين المواد المُتاجر بها قطع لينغ لينغ-أو من حجر اليشم المصنعة في الفلبين وتايوان وجنوب فيتنام وشبه جزيرة تايلاند. كان هناك أيضًا طرق ذات مسافات طويلة خاصة بالتجار الأسترونيزيين من إندونيسيا وماليزيا، تربط الصين مع جنوب آسيا والشرق الأوسط منذ ما لا يقل عن 1000 إلى 600 عام قبل الميلاد. سهلت انتشار بهارات جنوب شرق آسيا والبضائع الصينية إلى الغرب، بالإضافة إلى انتشار الهندوسية والبوذية إلى الشرق. عُرف الطريق لاحقًا بطريق الحرير البحري. لاتزال العديد من التقنيات الأسترونيزية مثل الزوارق ذات المجاديف والقطمران، بالإضافة إلى مصطلحات السفن الأسترونيزية، موجودة في الثقافات الساحلية للمحيط الهندي.

كانت التجارة البحرية عبارة عن تجارة ساحلية آمنة أكثر وتطورت مع استغلال الرياح الموسمية، وسرعان ما نتج عن ذلك تجارة تعبر الحدود كبحر العرب وخليج البنغال. امتلكت منطقة جنوب آسيا العديد من طرق التجارة البحرية التي وصلتها بجنوب شرق آسيا، لذلك كان من الصعب أن يؤدي التحكم بطريق واحد إلى احتكار الطرق البحرية. كانت الصلات الهندية مع دول عدة من جنوب شرق آسيا السبب في إبعادها عن العقبات الموجودة على الطرق الأخرى. من خلال الاستفادة من طرق التجارة البحرية، أصبحت تجارة السلع الأساسية بالجملة متاحة للرومان في القرن الثاني قبل الميلاد. كان يمكن لسفينة تجارية رومانية أن تجول البحر المتوسط خلال شهر، بواحد على ستين من كلفة تجولهم على الطرق البرية.

طرق تجارية بارزة


تقع شبه جزيرة الأناضول على الأراضي التي تمر منها الطرق التجارية البرية من آسيا إلى أوروبا بالإضافة إلى الطريق البحري من البحر المتوسط إلى البحر الأسود. تدل السجلات التاريخية من القرن التاسع قبل الميلاد إلى وجود مستعمرة تجارية أشورية في كانيش، كبادوكيا (اليوم، في تركيا الحديثة). تضمنت الشبكات التجارية للعالم القديم، طريق غراند ترنك (طريق ترنك الكبير) الهندي وطريق البخور التابع لشبه الجزيرة العربية. بُنيت شبكة نقل من طرق سريعة صلبة من خرسانة مصنوعة من الرماد البركاني والكلس، من قِبل الرومان عام 312 قبل الميلاد، خلال عهد الرقيب الروماني أبيوس كلاوديوس كراسوس كيكوس. دخلت أجزاء من دول البحر المتوسط وبريطانيا الرومانية ونظام شبكة نهر دجلة والفرات وشمال أفريقيا، ضمن نطاق هذه الشبكة في مرحلة ما من تاريخهم.

وفقًا لروبرت آلن دينمارك (2000):

«شكّل انتشار شبكات التجارة الحضرية، وامتدادها على طول الخليج الفارسي وشرق المتوسط، بنية جزيئية معقدة من البؤر الإقليمية، كان هذا بالإضافة إلى المناطق المختلفة المركزية والمحيطية التي تربط سلسلة من الحضارات المتفاعلة (تشكلت في الأصل حول بلاد الرافدين): بلاد الرافدين، ومصر، ووادي السند؛ بعدها أيضًا سوريا ووسط الأناضول (الحيثيون) وإيجية (الحضارة المينوسية ويونان الموكيانية). علاوة على ذلك، كان هناك جانب لا يتضمن مناطق ذات مناخ معتدل فحسب مثل أوروبا، لكن أيضًا السهوب الأوراسية الجافة. كان هذا نظام عالمي بحق، ومع ذلك كان مقتصرًا على جزء محدود من العالم الغربي القديم. في حين أن كل حضارة شددت على استقلاليتها الأيدولوجية، إلا أنهم كانوا جميعًا جزءًا متفاعلًا من عالم مشترك».

كانت هذه الطرق – تنشر الدين والتجارة والتكنولوجيا – ذات أهمية تاريخية لنمو الحضارة المدنية. تُعزى درجة تطور المدن ومستوى تكاملها مع نظام عالمي أكبر، إلى موقعها في شبكات نقل نشطة متنوعة.

الطرق التجارية التاريخية

أهم الطرق التجارية التي عرفها التاريخ

كانت الطرق في ذلك الوقت مشتركة بين برية سهول وهضاب ووديان وجبال ثم إلى مائية بحرية ونهرية ثم إلى محيطية مختلطة اي مصطلح تجارة برمائية ومن أشهر هذه الطرق على الاطلاق كان :

طريق الحرير

كان هذا الطريق أحد أكثر الطرق التجارية أهمية، حيث ربط بين الشرق والغرب، وكان يمر عبر البر من خلال مجموعة من الطرق المترابطة، كما كان يمر عبر عدة مسطحات مائية مثل المحيط الهندي والخليج العربي.


جمع طريق الحرير تجارًا من عدة مناطق من الشرق الأقصى والهند والساحل الصومالي وشبه الجزيرة العربية، وساهم في تطوير مجموعة من المعالم البارزة مثل سور الصين العظيم الذي شُيد لحماية الطريق التجاري، كما تدين العديد من الحضارات لهذا الطريق الذي مول عملية تطورها.


كان الحرير أكثر السلع التي يتم نقلها عبر هذا الطريق، بالإضافة إلى الملح والذهب والحيوانات من المناطق الغريبة، كما ساهم هذا الطريق في التبادل الثقافي بين مختلف المجتمعات.

ووفقاً لمجلة Mental Floss الأمريكية، لم تكن أهمية طريق الحرير الذي يربط بين الصين والإمبراطورية الرومانية القديمة، مقتصرة على الناحية التجارية فحسب، فقد كان هذا الطريق مساراً حيوياً لانتشار المعرفة والفنون والدين، فقد أصبحت الكثير من المراكز التجارية الواقعة على طول الطريق، مثل سمرقند في أوزبكستان الحالية، مراكزاً ثقافية للتبادل الفكري.

يعتبر طريق الحرير أشهر الطرق التجارية القديمة، وقد كانت الصين ترسل الحرير من خلاله إلى الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي، وتستقبل الصوف والفضة والذهب من أوروبا.

يبدأ طريق الحرير من مدينة شيان الصينية، ليمتد إلى جانب سور الصين العظيم قبل عبور جبال بامير إلى أفغانستان ثم بلاد الشام، حيث تُحمَّل البضائع إلى السفن المتجهة إلى موانئ البحر المتوسط.

وكان من النادر أن يسافر التجار مسافة 4000 ميل (6437 كيلومتراً) كاملة؛ لذلك لجأ معظمهم إلى الاكتفاء بإجراء المعاملات التجارية في أجزاء من الطريق الطويل.

بقي طريق الحرير أبرز الطرق التجارية على الإطلاق حتى القرن الرابع الميلادي، إذ انهارت الإمبراطورية الرومانية آنذاك ولم يعد الطريق آمناً، وبقي محيداً منذ ذلك الوقت حتى أعيد استخدامه كسابق عهده في القرن الثالث عشر تحت حكم المغول.

واتبع المستكشف الإيطالي ماركو بولو طريق الحرير خلال القرن الثالث عشر، ليصبح من أوائل الأوروبيين الذين زاروا الصين.

لكن إضافة إلى تبادل البضائع التجارية والفنون والأفكار على طول هذا الطريق لشهير، يعتقد بعض العلماء أنَّ التجار المسافرين ساهموا أيضاً بنشر بكتيريا الطاعون التي تسببت لاحقاً بوباء الموت الأسود في أوروبا.

طريق البخور

تطور طريق البخور من أجل نقل اللبان البدوي والمَر (وهما مادتان مشتقتان من صمغ الأشجار)، موجودتان في جنوب شبه الجزيرة العربية فقط في ذلك الوقت (اليمن وعمان حالياً).

إذ يمكن حرق هذه الكتل الصلبة من الصمغ لاستخدامها بشكل بخور أو عطر، وكانت شائعة الاستخدام أيضاً في طقوس الدفن للمساعدة في التحنيط.

استأنس العرب الجمال قبل حوالي 1000 عام من ميلاد المسيح، مما مكنهم من البدء في نقل بخورهم الثمين إلى البحر المتوسط، أهم بقعة تجارية في هذا الوقت.

وأصبح اللبان البدوي والمَر من السلع المهمة للرومان، واليونانيين، والمصريين، وقيل إن الإمبراطور الروماني نيرو أحرق محصول عام كامل من اللبان البدوي في جنازة محبوبته.

وازدهرت هذه التجارة لدرجة أن الطريق البري قد شهد في ذروته نقل حوالي 300 طن من البخور على طول الطريق خلال عام واحد كما يقال.

وكتب المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر أن تعبيد هذا الطريق استغرق 62 يوماً، وقد تحول الطريق عن مساره الفعلي لاحقاً بسبب جشع القبائل التي استوطنت على طول الطريق وطالبت بضرائب مرتفعة من القوافل العابرة.

وبحلول القرن الأول الميلادي، أصبح هذا الطريق البري القديم غير مستخدم إلى حد كبير، لأن تحسين تصميم القوارب جعل المسارات والطرق البحرية أكثر جاذبية.

وكان طريق البخور بمثابة قناة لتجارة البضائع الهندية والعربية والشرق آسيوية. ازدهرت تجارة البخور من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى حوض المتوسط بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثاني بعد الميلاد تقريبًا. كانت هذه التجارة هامة لاقتصاد اليمن واعتُبرت شجرتي اللبان والمر كمصدر للثروة من قِبل حكامها.

من الممكن أن يكون بطليموس الثاني فيلادلفوس، إمبراطور المملكة البطلمية في مصر، قد شكل تحالفًا مع مملكة لحيان في سبيل تأمين طريق البخور في ديدان، وبالتالي إعادة توجيه طريق تجارة البخور من ديدان على طول ساحل البحر الأحمر إلى مصر. يربط آي. إي. إس. إدواردز الحرب السورية الإفرايمية إلى رغبة بني إسرائيل والآراميين بالسيطرة على النهاية الشمالية لطريق البخور، والذي سار صعودًا من جنوب شبه الجزيرة العربية، وكان من الممكن صده من قِبل السلطة الحاكمة في شرق الأردن.

تحكمت مدينة جرهاء – كانت مأهولة من قِبل الكلديين المنفيين من بابل – في طرق تجارة البخور عبر شبه الجزيرة العربية إلى البحر المتوسط ومارست السيطرة على تجارة العطور إلى بابل في القرن الأول قبل الميلاد. مارس الأنباط السيطرة على الطرق الموجودة على طول طريق البخور، وكانت سيطرتهم موضع تحدي – دون نجاح – من قِبل أنتيغونوس الأول مونوفثالموس، إمبراطور سوريا. ازدادت سيطرة الأنباط على التجارة أكثر وانتشرت في عدة اتجاهات.

أدى استبدال اليونان بالإمبراطورية الرومانية بوصفها الجهة المسؤولة عن حوض المتوسط، إلى استئناف التجارة المباشرة مع الشرق وإزالة الضرائب المستخلصة سابقًا من قِبل وسطاء الجنوب. وفقًا لميلو كيرني (2003) «احتجاجًا على ذلك شن العرب الجنوبيون هجمات قرصنة على السفن الرومانية في خليج عدن. في ردهم، دمر الرومان عدن وفضلوا ساحل الحبشة الغربي للبحر الأحمر». أبحرت السفن الهندية إلى مصر إذ لم تكن الطرق البحرية لجنوب آسيا تحت سيطرة قوة واحدة.

وكانت البخور إحدى أغلى السلع في العالم القديم، وكان طريق البخور هامًا جدًا لأنه ربط المناطق التي تنتج كميات كبيرة من البخور بالمناطق التي تستهلك كميات كبيرة منه.


وإلى جانب البخور كانت سلع أخرى تُنقل عبر هذا الطريق مثل التوابل واللؤلؤ، وكانت مدينة الجرعاء التي أسسها البابليون نقطة تجارية هامة على طول الطريق.


كما ازدهر اليمن أيضًا بفضل هذا الطريق من خلال تجارة اللبان والمُرّ، وساعد ترويض الجمال في تطوير طريق الحرير.


ويرجع سبب تراجع استخدام هذا الطريق إلى عدة عوامل من بينها سقوط الموانئ التجارية الأساسية مثل الإسكندرية، وتطوير طريق تجاري أكثر كفاءة عبر البحر.

وعلى عكس معظم الطرق التجارية الأخرى في هذه القائمة، كان طريق التوابل عبارة عن مسارات بحرية تربط الشرق بالغرب.

طريق التوابل

كانت سلع التوابل، مثل الفلفل والقرنفل والقرفة وجوزة الطيب، تلقى رواجاً وطلباً هائلاً في أوروبا، ولكن خلال القرن الخامس عشر، كان الوسطاء من العرب وشمال إفريقيا يسيطرون على التجارة مع الشرق، ما جعل تلك التوابل نادرة وباهظة التكلفة.

ومع بدايات عصر الاستكشاف (من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر)، توفرت تقنيات ملاحية جديدة جعلت الإبحار إلى مسافات بعيدة أمراً ممكناً.

وتمكن الأوروبيون من ركوب البحار سعياً لبناء علاقات تجارية مباشرة مع إندونيسيا والصين واليابان.

ورأى البعض أن تجارة التوابل هي ما أدّت إلى تطوير التنقلات البحرية، وشجعت اكتشاف الأراضي الجديدة، وعززت العلاقات الدبلوماسية الجديدة بين الشرق والغرب (كانت التوابل هدفاً جزئياً لكريستوفر كولومبوس في رحلته الشهيرة عام 1492).

واستفاد الهولنديون والإنجليز بشكل خاص من السيطرة على تجارة التوابل مع ما تُعرف الآن بإندونيسيا، لا سيما المنطقة التي تُعرف بجزيرة الملوك، أو جزيرة التوابل، التي كانت المصدر الوحيد لجوزة الطيب والقرنفل في ذلك الوقت.

وبسبب هذا الطريق، اندلعت الحروب، واستعمرت الأراضي، وجنى المستعمرون ثروات من وراء تجارة التوابل، مما يجعل طريق التوابل واحد من أشهر الطرق التي ربطت العالم.

طريق العنبر

كان العنبر إحدى السلع الأساسية التي يتم تبادلها في العصور القديمة، إذ كان يدخل في الاستخدامات الجمالية والطبية، وكان يتم جلبه من المناطق الغنية به ليتم نقله إلى مناطق ذات قاعدة كبيرة من العملاء مثل الشرق الأوسط.


كان أقدم طريق شكل طريق العنبر يقع في أوروبا الوسطى، والذي كان يربط بين ساحل بحر البلطيق وساحل البحر الأدرياتيكي.


وقد كان طريق العنبر يمر عبر أراضي العديد من الدول الحديثة مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا، وقد تسبب فرسان تيوتون في تراجع شعبية هذا الطريق، حيث قتلوا كل من حاول جمع أو بيع العنبر.

طريق الكهرمان


ترجع تجارة الكهرمان إلى حوالي عام 3000 قبل الميلاد، مع وجود أدلة أثرية تكشف وصول حبات الكهرمان من منطقة البلطيق إلى مصر.

وحرص الرومان، بسبب تقديرهم الكبير لحجر الكهرمان من أجل أغراض الزينة والاستخدامات الطبية، على تطوير طريق الكهرمان الذي يربط منطقة البلطيق ببقية أوروبا.

عُثر على رواسب كبيرة من الكهرمان في قاع بحر البلطيق، تشكلت من ملايين السنين عندما كانت الغابات تغطي المنطقة.

ينجرف الكهرمان نحو الشواطئ خلال العواصف، ويمكن حصده من شواطئ بحر البلطيق، وهكذا أسس العديد من تجار الكهرمان المحليين أعمالهم.

ولكن خلال الحملات الصليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، أصبحت منطقة البلطيق مصدر دخل مهم لفرسان تيوتون، الذين سيطروا على منطقة إنتاج الكهرمان.

اضطهد الفرسان سكان المنطقة المحليين بوحشية، وقتلوا أي شخص يحاول حصد أو بيع الكهرمان. واليوم، يمكنك العثور على آثار طريق الكهرمان القديم في بولندا، حيث يُسمى أحد أكبر الطرق فيها “طريق الكهرمان السريع”.

طريق الخيول والشاي (تشاماداو)

يمتد هذا الطريق القديم لأكثر من 9500 كيلومتر، عبر جبال هينغدوان، أكبر مناطق إنتاج الشاي في الصين، إلى التبت والهند.

ويعبر الطريق أيضاً العديد من الأنهار، ما يجعله من أخطر طرق التجارة القديمة.

كانت السلع الرئيسية التي تُنقل عبر هذا الطريق هي الشاي الصيني وخيول الحروب التبتية، وكان الهدف الرئيسي للتجارة الذين يسلكون هذا الطريق هو مبادلة الشاي بالخيول، أو العكس.

كانت أجزاء من هذا الطريق تستخدم منذ عام 1600 قبل الميلاد، ولكنهم بدأوا استخدام مسار الطريق بالكامل منذ حوالي القرن السابع الميلادي، وبدأت التجارة عبر الطريق تتوسع بشكل كبير بدايةً من عهد أسرة سونغ (960-1297م).

يشير بحث واحد على الأقل إلى تبادل أكثر من 20 ألف حصان حرب تبتي عبر هذا الطريق كل عام مقابل 8000 طن من الشاي خلال الفترة بين عامي 960 و1127م.

وبعدما أصبحت المسارات البحرية أكثر شيوعاً، تضاءلت أهمية الطريق.

ولكن خلال الحرب العالمية الثانية، اكتسب الطريق أهمية جديدة بعدما أغلق اليابانيون العديد من الموانئ البحرية، وأصبح طريق الشاي والخيول هو الطريق الرئيسي لنقل الإمدادات بين الصين والهند.

وقد كان طريق الخيول والشاي القديم مكونًا من مجموعة من المسارات التي تشق القوافل طريقها من خلالها عبر الجبال الواقعة في الصين والتبت في الوقت الحاضر.


شملت المناطق التي مر الطريق عبرها سيتشوان ويونان في الصين، وهما منطقتان يعتقد المؤرخون أنهما أولى المناطق التي قامت بزراعة الشاي في العالم.


كان الطريق يربط بشكل أساسي بين المناطق التي يُزرع بها الشاي والمناطق التي تستهلكه والتي تفتقر إلى المناخ المناسب لزراعته، وكان الملح أيضًا من أكثر السلع تداولاً عبره.


اعتمدت التجارة عبر هذا الطريق بشكل كبير على الخيول والبغال، وكان التجار يتبادلون خيول من التبت بالشاي الصيني الذي حصل الطريق على اسمه المميز منه.

الطريق التجاري عبر الصحراء والكبرى

ويتألف طريق التجارة عبر الصحراء الكبرى، الممتد من شمال إفريقيا إلى غرب إفريقيا، من عدة طرق، أنشأت عدة مسارات تجارية متقاطعة عبر الصحراء الشاسعة.

وقد ظهرت تلك الطرق التجارية لأول مرة في القرن الرابع الميلادي. وبحلول القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت القوافل التي تنقل البضائع عبر الصحراء تتكون من أكثر من ألف جمل.

وكانت البضائع المنقولة تشمل كل شيء تقريباً، من الذهب والعبيد والملح والأقمشة إلى أشياء أخرى مثل ريش النعام والأسلحة الأوروبية.

ساهمت تلك الطرق في انتشار الإسلام من قبائل الأمازيغ في شمال إفريقيا إلى غرب إفريقيا، ومع الإسلام انتشرت اللغة العربية.

كما شجع طريق التجارة عبر الصحراء الكبرى على تطوير الأنظمة النقدية وبناء الدول، إذ رأى الحكام المحليون القيمة الإستراتيجية لضم مساحات شاسعة من الأراضي، وسلعها بالتبعية، تحت سيطرتهم.

وبحلول القرن السادس عشر الميلادي، عندما بدأ الأوروبيون يعترفون بقيمة البضائع الإفريقية، تراجعت أهمية طرق التجارة عبر الصحراء الكبرى أمام طريق التجارة عبر المحيط الأطلنطي الذي يسيطر عليه الأوروبيون، وانتقلت الثروة من المناطق الداخلية إلى المناطق الساحلية، مما جعل الطرق المحفوفة بالمخاطر داخل الصحراء أقل جاذبية.

كان يعد من أكثر الطرق التجارية أهمية في أفريقيا، حيث كان يربط بين مناطق مختلفة في الصحراء، وكانت الجمال وسيلة النقل الأساسية عبر الطريق.


كان الذهب من أكثر السلع تداولاً عبر الطريق.



وكما تم تداول منتجات فاخرة عبره أيضًا مثل ريش النعام، بالإضافة إلى حصول المجتمعات الأفريقية من خلاله على البنادق التي استخدموها لتقوية ممالكهم.


ساعد هذا الطريق على انتشار الإسلام والثقافة العربية، ويرجع تراجع التجارة به إلى زيادة التبادل التجاري عبر المحيط الأطلسي وزيادة سيطرة أوروبا على أفريقيا.

طريق الملح


لطالما كان الملح سلعة نفيسة، فقد كان يستخدم في تحضير الطعام وحفظه، وللتطهير أيضاً، فضلاً عن أنه نفيس لدرجة أنه يمثل جزءاً من أجر الجندي الروماني.

ولكنه كان سلعة نادرة في العصور القديمة، ولذلك أصبحت المناطق الغنية بالملح مراكز تجارية مهمة. وانتشرت الطرق التي تربط تلك المراكز بالمستوطنات الأخرى، ومن بين تلك الطرق التي ظهرت، كان أشهرهم “طريق الملح الروماني”، الذي يمتد من أوستيا، بالقرب من روما، عبر إيطاليا، إلى ساحل البحر الأدرياتيكي.

ومن بين طرق الملح المهمة الأخرى في أوروبا كان هناك طريق الملح القديم.

يمتد هذا الطريق مسافة 100 كيلومتر من مدينة لونبورغ في شمال ألمانيا، التي كانت واحدة من أكثر مصادر الملح وفرة في شمال أوروبا، إلى مدينة لوبيك على الساحل الشمالي الألماني.

وخلال العصور الوسطى، أصبح هذا الطريق مهماً وحيوياً من أجل توفير الملح لأساطيل الصيد التي تغادر ألمانيا إلى شبه الجزيرة الإسكندنافية، إذ كان طاقم الصيد يستخدم الملح من أجل حفظ صيدهم الثمين. كانت عربة توصيل الملح تستغرق بضع وعشرين يوماً على طول طريق الملح القديم، وأصبحت العديد من القرى على طول الطريق غنية من خلال فرض ضرائب ورسوم مرور على العربات التي تنتقل على طول الطريق.

طريق القصدير


من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي، مثّل طريق القصدير شرياناً مهماً لإمداد المستوطنات الأولى بإمكانية الوصول إلى أحد المكونات الحيوية في صناعة المعادن: القصدير.

كان يجب خلط القصدير بالنحاس للحصول على البرونز، وهو من أقوى المعادن التي كانت تستخدم آنذاك، وقد توصلت إلى اكتشافه شعوب الشرق الأدنى قبل 2800 عام من الميلاد تقريباً.

وأدّى ذلك إلى تزايد الطلب على القصدير، ولأنه لم يكن متوفراً في الكثير من الأماكن، أصبح القصدير عنصراً مهماً في التجارة.

ازدهر طريق القصدير خلال الألفية الأولى قبل الميلاد، وامتد من مناجم القصدير في كورنوال أقصى جنوب غرب بريطانيا، إلى فرنسا عبر البحر، ثم إلى اليونان وما بعدها براً.

وتظهر آثار هذا الطريق من خلال التلال الترابية التي انتشرت على طول الطريق لتكون بمثابة نقاط تبادل تجاري.

يعتقد المؤرخون أن الأعمال التجارية كانت تُجرى على طول الطريق في الاتجاهين جيئة وذهاباً، كما عُثر في تلك التلال الترابية على أثار لبعض المصنوعات الغريبة، مثل المرجان والذهب.

لم تعش أي روايات مكتوبة تحكي عن تلك الفترة، ولكن السجلات الأثرية تكشف انتقال الأعمال التقنية والفنية بين شمال أوروبا ومنطقة حوض البحر المتوسط إلى جانب القصدير، ما يدل على أن هذا الطريق كان يمثّل رابطاً مهماً وحيوياً للشعوب الأوروبية.