بدأت رحلة والت ديزني برسام بائس يطرق الأبواب للحصول على وظيفة، وانتهت بتأسيس امبراطورية اعلامية وترفيهية ضخمة.

عندما ولد الطفل ( والت ديزني ) في مطلع القرن العشرين ، كانت الحياة تشير انها ستكون صعبة في معظمها.

سافر مع والديه عدة ولايات امريكية بحثا عن الرزق، الذي لم يكن وفيراً، فاضطر ان يعمل بائعاً للصحف منذ العاشرة من العمر، اثناء فترة دراسته. ولكنه ، مع عمله في توزيع الصحف ، كان لديه هواية غريبة نوعا تشكلت منذ هذا العمر المبكر.

الرسم. كان يحب الرسم للغاية، حتى انه كان يستخدم الارباح التي يجنيها من بيع الصحف ، في الذهاب الى مدرسة ليلية لتعلم الرسم طوال الاسبوع.

فكان يذهب لبيع الصحف صباحا ، ثم يذهب الى مدرسته ، يعود الى منزله المتواضع ، ثم يذهب مساءً الى مدرسة تعلم الرسم. حياة شاقة للغاية بالنسبة لطفل صغير ، ولكنه هو نفسه الذي سيغير العالم كله لاحقاً !

في بحر الحياة

بوصوله الى السادسة عشر، لم يكمل والت مسيرته الدراسية وقرر ترك الدراسة. لاحقا قرر الانضمام الى الصليب الأحمر كسائق اسعاف ، بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقام من خلال هذا العمل بجمع بعض المال الذي اعانه على الحياة قليلاً.

بعد الحرب، بدأ الشاب الذي لا يملك شهادة دراسية او جامعية ، ولا يملك اية خبرات تُذكر في البحث عن وظيفة. ولكنه كان يحب الرسم، لذلك، تقدم الى بعض الصحف طلبا للانضمام اليها كرسام كاركاتير، ولكنه رُفض فيها جميعاً.

في النهاية، وجد وظيفة في مؤسسة صغيرة تدفع له اجرا زهيدا شهريا، مقابل ان يصمم لها غلاقاً اسبوعيا لأحد الاعمال الفنية على مسرح نيومان.

كانت هذه هي بداية دخول والت ديزني الى عالم الفن والمسرح، والذي استرعى نظره وشعر انه في البيئة التي يهواها اخيراً.

الفنان الذي بدأ في الظهور

خلال عمله كفنان في هذه المؤسسة التقى والت بصديق له موهوب، وقرر كلاهما افتتاح مؤسسة صغيرة للعمل في مجال التسويق والدعاية. من خلال هذه المؤسسة ، قدم والت نموذجا فريداً للافلام القصيرة للرسوم المتحركة ، وباعها الى مسرح نيومان الذي قام بعرضه.

اثارت هذه الرسومات المتحركة ذهول الجميع، واصبح الاقبال كبيراً على المسرح. هنا فقط ، ادرك والت انه يقوم بعمل مبهر ، وانه يجب ان يجد وسيلة لتكبيره من خلال مؤسسته الخاصة ، وليس عرضه من خلال الآخرين.

أطلق الشاب مؤسسة جديدة بعنوان Laugh o grams inc المتخصصة في انتاج افلام الرسوم المتحركة، تركز على محتوى الأطفال المستمد من قصص الساحرات والاطفال وغيرها من المواضيع المسلية. ومع براعة الفكرة وجرأتها ،الا ان المشروع لم ينجح بسبب التكاليف الكبيرة.

وعلى الرغم من ان ديزني كانت انتهى من انتاج فيلمه الأول ( أليس في بلاد العجائب ) القائم على مبدأ الرسوم المتحركة ، الا ان الشركة لم تصمد، واعلنت افلاسها قبل بث الفيلم الذي كان يراهن عليه والت ديزني كل الرهان لنجاح شركته الوليدة.

الى هوليود

لم يكن هناك وسيلة اخرى أمام ديزني الى الذهاب غربا الى هوليود ليعرض فيلمه الذي انتهى منه على أصحاب الصناعة الأكبر في أمريكا. عرض ديزني فيلمه ( اليس في بلاد العجائب ) وفيلمين اخرين قصيرين على عدد من منتجي السينما في أمريكا ، فأثار اهتمامهم بشدة.

استطاع بسبب براعته، الحصول على دعم من بعض الجهات السينمائية، الذين قرروا دعمه لبناء شركة لصناعة الافلام من هذا النوع ، أطلق عليها اسم Disney Productions ، التي ظهرت في هوليود ، وبقيت فترة لا تحقق نجاحاً يُذكر.

حتى جاءت الضربة الكبرى ، عندما انتجت الشركة فيلم ” سنو وايت والاقزام السبعة ” في نهاية الثلاثينيات ، وهو ما ادى الى شعبية جارفة للشركة، ونهر من الأموال أخيراً.

أوقات عصيبة

على الرغم من النجاح الكبير الذي كانت تحققه شركة ديزني بظهور فيلمها الأخير في الثلاثينيات، الا ان اندلاع الحرب العالمية الثانية أفسد كل شيء.

كادت الشركة ان تفلس، مع احجام المنتجين على تمويل افلامها ، فقرر بيع أسهمها للجمهور. واستطاع ديزني جمع الاموال من المساهمين بشكل ادى الى حماية شركته من افلاس محقق.

استخدم ديزني هذه الأموال في تنمية موارد الشركة، حيث أقام حديقة وملهي ” ديزني ” للترفيه ، ثم تحول الى التعاون مع التلفزيون الذي بدأ في الظهور بشكل جيد في الاربعينيات ، باعتباره منافس للسينما، وأكثر شعبية.

حتى جاء مطلع الخمسينيات، بواحدة من أعظم الشخصيات التي ابتكرها ديزني ، والتي استمر صداها حتى الآن بشكل لا يتراجع تقريباً عبر مر العقود والاجيال ، عندما ظهر الفأر الشهير على الشاشة، الذي يعرفه الجميع من كل اللغات والثقافات والجنسيات اليوم  : ميكي ماوس.

ميكي ماوس

المثير للسخرية ، ان شخصية ميكي ماوس لم تظهر الا في مطلع الخمسينيات، رغم ان والت ديزني كان قد رسمها بالفعل في نهاية العشرينيات ، ووضع اسسا لها كاملة. لكن وقتها ، لم يعره اي احد انتباها من أي نوع.

لذلك، وبقدوم الخمسينيات، قام ديزي بعمل تعديلات على الشخصية لتتناسب مع مشاهدي التلفزيون والتجمعات العائلية والمنزلية، وقام بتجربة التأدية الصوتية له.

مع ظهوره، حقق طفرة ضخمة في المشاهدات، فانهالت الاموال على شركته ، ليعيد تدويرها في التوسع لانتاج المزيد من الرسوم المتحركة والافلام ، والتعاقد مع شتى التلفزيونات حول العالم.

وبالتوازي، صمم والت ديزني في توسعة حديقته ، لتتحول الى اكبر حديقة ترفيه في أمريكا في ذلك الوقت.

مات ولم يمت

في منتصف الستينيات، وبسبب سرطان الرئة، رحل والت ديزني عن الحياة، ولكن ظل اسمه قائما حتى الآن. نمت شركته بشكل سريع في العقود التالية ، لتضم اكثر من 150 ألف موظف ، وتحقق عشرات المليارات من العائدات السنوية.

وتحولت حديقة ديزني الى اضخم سلسلة حدائق ومدن ترفيه والعاب حول العالم ، وظهرت قنوات اعلامية عملاقة على اسمه، منها قنوات ” ديزني ” Disney الشهيرة ، التي تحولت الى واحدة من عمالقة الانتاج الفني والسينمائي متعدد المجالات في هوليود ، والتي يرتبط اسمها دائما بالابداع والتميز في المؤثرات الصوتية والبصرية الهائلة.

بدأت كل هذه الامبراطورية برسّام موهوب، يطرق الابواب للحصول على وظيفة ، ويطرق الابواب لإقناع المستثمرين بفكرته بالرسوم المتحركة. واستمرت امبراطوريته في النمو حاملة اسمه ، حتى بعد وفاته بسنين طويلة.