الكثير لا يعرفون أن رفيق الحريري لم يكن سياسياً أصلاً، ولم يكن سليلاً لعائلة ثرية، ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب.

لا أحد في العالم العربي لا يعرف رفيق الحريري ، رئيس الوزراء اللبناني والسياسي البارز الاسبق، الذي رحل عن عالمنا في حادث اغتيال بشع في فبراير من العام 2005.
لكن الكثير لا يعرفون أن رفيق الحريري لم يكن سياسياً أصلاً، ولم يكن سليلاً لعائلة ثرية في بيروت، ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب. بل بدأ مسيرة حياته من بيئة شديدة التواضع ، ثم تحول الى رجل اعمال شديد النجاح ، وانتهى – رغم النهاية المأساوية – كواحد من ابرز القادة السياسيين اللبنانين.
رفيق الحريري كانت مسيرته – بالفعل – مدهشة.
قاطف الليمون
في العام 1944 ، ولد رفيق الحريري لأسرة متوسطة الامكانيات، الأب يعمل كمزارع ، في صيدا جنوب لبنان ، وبدأ حياته العملية في طفولته في قطف الليمون من الاشجار.
كأي لبناني عادي ، درس رفيق الحريري في المدرسة ، ولكنه كان يعمل عملا اضافياً في المعتاد الى جانب دراسته لمساعدته في تغطية نفقاته الدراسية.
أنهي الحريري تعليمه الثانوي، ثم التحق بجامعة بيروت العربية ليدرس في مجال المحاسبة. أثناء دراسته، تدرّب الحريري في مجال المحاسبة في احدى المكاتب الصغيرة في لبنان ، ثم انتقل الى المملكة العربية السعودية بعد قراءته لإعلان بسيط في جريدة يومية عن وظائف متاحة في المملكة.
وكان هذا في الستينيات من القرن العشرين، في فترة النمو السريع للاقتصاد السعودي وفتح الابواب للعمالة الاجنبية والعربية.
في السعودية، عمل الحريري كمدرس لمادة الرياضيات في احدى المدارس الابتدائية في جدة ، ثم التحق للعمل كمحاسب في شركة للصناعات والاستشارات الهندسية لمدة 6 سنوات ليعيل نفسه واسرته.
في نهاية الستينيات، كانت الفرصة الكبرى التي بدأ من خلالها رفيق الحريري يغادر عالم الوظيفة، ويدخل في عالم البيزنس من اكبر ابوابه.
الصعود
في نهاية الستينات ومطلع السبيعينات، أسس رفيق الحريري شركة صغيرة للمقاولات بإسم سيكونيست. على مدار سنوات، قامت الشركة بالعمل على مشاريع صغيرة بآداء متميز، منها اشناء مستشفيات ومدارس ومؤسسات ، مما ضمن لها نمو سريع في السوق السعودي المتعطش للأعمال والمقاولات والانشاءات المتميزة عالية الجودة.
بنهاية السبعينات، وبالتحديد في العام 1977، واجه الحريري واحد من اكبر محطات الصعود – والتحدي في نفس الوقت – عندما اندمجت شركته مع شركة أوجيه الفرنسية ليتحول اسمها الجديد الى ” سعودي اوجيه ” وتتحول الى واحدة م ناكبر شركات المقاولات في المنطقة.
لاحقاً، أسند الى الحريري إنشاء فندق فخم في الطائف في فترة تقدر ب 9 شهور فقط ، وهو شرط اعتذرت عنه العديد من الشركات حول العالم.
واستطاع الحريري تنفيذ بناء فندق الطائف في المدة المقررة بكفاءة عالية، لينال رضا الاسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، وليُمنح الجنسية السعودية.
السياسة
في الثمانينيات، تحول رفيق الحريري ، الذي بدأ حياته كجامع لليمون ، ثم مدرس رياضيات في مدرسة ابتدائية ، الى رجل اعمال ذائع الصيت ، يحوز ثروة هائلة ، وله نسبة حصص في عدد من البنوك الاقليمية ، ومشارك في ملكية مجموعة من الفنادق الضخمة.
كما أسس ايضاً شبكة تلفزيون المستقبل ، وغيرها من المشاريع ، وتنامى دوره الاقتصادي والسياسي ، حتى عُين مبعوثا شخصيا للملك فهد ابن عبد العزيز في لبنان.
هذه الانجازات، والنشط الاقتصادي والسياسي، أهل رجل الاعمال النشيط والطموح في لعب دور سياسي نشيط، أهله لتولي رئاسة الحكومة اللبنانية عدة مرات، والبدء في اطلاق سلسلة اصلاحات كبيرة للاقتصاد اللبناني.
انتهت الرحلة بتفجير دموي وقع في العام 2005، ادى الى اغتيال الحريري وعدد من معاونيه، تاركاً وراءه إرثاً اقتصاديا وسياسياً كبيراً، مازال اسمه يتردد في لبنان والمنطقة.
رحلة طويلة من المثابرة ، والتحول من شخص عادي في اسرة لبنانية عادية يعمل أبيها كمزارع، الى مدرس رياضيات ، ثم مقاول ، ثم عملاق مقاولات وواحد من أثرى أثرياء العرب في وقته ، الى سياسي محنّك انتهت حياته بإغتيال غادر !
