أكيو موريتا مؤسس سوني Sony بناء إمبراطورية تقنية قد يبدأ بجهاز صغير بحجم يدك
الفكرة جاءته عندما لاحظت صعوبة جرّ اجهزة التسجيل الصوتية الثقيلة الى الشواطئ لبث الأغاني.

في المعتاد، تكون قصص النجاح أبطالها الكبار ولدوا وعاشوا في بيئة شديدة الصعوبة. ولكن هذه المرة ، الأمر مختلف بالنسبة للطفل الياباني الذي ولد في العشرينيات من القرن العشرين، لأسرة يابانية ثرية.
أسموه ( موريتا ) ، واسرته اسرة عريقة في اليابان ، منفتحة على العالم ، وتعمل على مدار أجيالها كلها تقريبا في مجال الاعمال والتجارة والبيزنس.
لذلك، كان من الطبيعي أن يتشرب الطفل الصغير اصول التجارة وفنون البيزنس من عائلته، حتى أن والده كان يصمم ان يحضر الصبي الى الاجتماعات وهو لم يتجاوز الثماني سنوات.
كانت هذه التنشئة سبباً أساسيا في تعرف موريتا على أهم 3 عناصر في عالم البيزنس ، وهو : الادارة والصناعة والبيع. كان يلاحظ الاشراف الاداري على العمال والموظفين ، ويتفهم خطوات التصنيع ومساراتها ، ثم طريقة البيع ومحاولة إقناع العميل بالشراء ، ومن ثم التوسع في الايرادات والارباح.
هذه الامور جميعنا نتعلمها الآن بشكل نظري، ولكن الفتى عايشها بشكل عملي تماماً، جعلتها بالنسبة له اموراً بديهية وثوابت ، وانعكست على حياته بالكامل فيما بعد.
الاتجاه الى الفيزياء !
عندما وصل موريتا الى سن المراهقة ، ومع كل ما تعلمه في البيزنس والتجارة من عائلته ، قرر التمرد على الجميع وأعلن انه لن يكمل في مجال التجارة او يتولى مسئولية ادارة اعمال اسرته، بل سيتوجه الى دراسة الرياضيات والفيزياء !
التحق الشاب بجامعة أوساكا اليابانية، وبالفعل حصل على درجة جامعية في مجال الفيزياء، وصب اهتمامه بالكامل في المجالات العلمية، خاصة في مجال الصوتيات، واحد من اهم مجالات الفيزياء ثراءً.
الا ان الامور لم تسر كما ينبغي، وحدث أسوأ موقف مرت به اليابان عبر تاريخها كله ربما، الا وهو اندلاع الحرب العالمية الثانية.
فوجئ الشاب الفيزيائي الذي ينتمي الى عائلة يابانية مرموقة، انه طُلب في الجيش ، وجُند في البحرية اليابانية – أحد الاسلحة الذي واجه دماراً هائلاً اثناء الحرب – ، الى ان انتهت الحرب باستسلام اليابان ، بعد ان تعرضت لضربتين نوويتين ودمار هائل.
خرج موريتا من تجربة الحرب وهو في أسوأ حال، بالكاد يتحامل على نفسه ليكمل حياته، في بلد دُمّر بالكامل، وبعد ان فقدت عائلته كل تجارتها واعمالها وانهارت كل المزايا الاجتماعية التي كان يحيا بها.
بداية ظهور الامبراطورية
بعد انتهاء الحرب، حصل موريتا على وظيفة مُعيد في كلية طوكيو التقنية.
عمل بها بعض الوقت ، ثم قرر – بعد إطلاق حملة اعادة اعمار اليابان – أن يقوم بنناء شركة صغيرة أسمها ” منظمة طوكيو للاتصالات والبحوث ” تركز على اعادة بناء قطاع الاتصالات في اليابان والذي دُمر بالكامل.
بدأت الشركة في العام 1946 برفقة صديق له، وافتتح مقر الشركة في مكان صغير مهجوم في احدى ضواحي طوكيو ، براس مال محدود للغاية.
وكان الهدف الاساسي لموظفي الشركة هو انتاج اجهزة جديدة ، بجودة جيدة جداً ، وبيعه في السوق الياباني المدمر.
ثلاثة سنوات على هذا الحال، اجهزة بسيطة يتم اعادة تدويرها في قطاع الاتصالات، واعادة بيعها للجمهور او المؤسسات الحكومية والخاصة، مقابل أثمان في متناول اليد. حتى جاء مطلع الخمسينيات بمنتج ثوري غير قواعد اللعبة كلها.
سوني
في مطلع الخمسينيات، شهد العالم اختراعاً مهما في عالم الاتصالات وهو تطوير شريط التسجيل المغناطيسي الذي يتيح تسجيل الاصوات ، فصُنع جهاز التسجيل للمرة الأولى.
كان هذا الاختراع ثوريا في ذلك الوقت، وبدأت شركات العالم التقنية في صناعة آلات التسجيل. لذلك، ركز موريتا ورفاقه على تطوير هذه الآلة بأفضل شكل ممكن ، حتى خرج من بين أيديهم المنتج الذي ساهم في تغيير مفهوم التسجيل في العالم كله في الخمسينيات.
جهاز الووكمان Walkman .. الراديو الصغير بحجم الجيب.
كان اختراعا ثوريا يعتبر الاول من نوعه، صغير الحجم مقارنة بآلات التسجيل الكبيرة العملاقة.
جاءت الفكرة والتطوير لموريتا ورفاقه عندما ذهب الى أحد الشواطئ، ليجد أمامه بعض مرتادي الشاطئ يجذبون جهاز تسجيل كبير لتشغيل الأغاني ، في مشقة كبيرة للوصول الى مكان تواجدهم على الشاطئ ، فسأل نفسه : هل يمكننا صناعة جهاز تسجيل صغير بحجم اليد ، يعمل كراديو متنقل ، وفي نفس الوقت يعمل كجهاز لبث الاغاني المسجلة !
ومع ظهور جهاز الووكمان في السوق الياباني ، والاقبال الهائل عليه ، اتخذ موريتا قراره بتغيير اسم الشركة الى شركة ( سوني ) SONY ، وهو اسم سهل يمكن استخدامه وترديده ليس في اليابان فقط ، ولكن في العالم كله.
هذا الاسم الذي نعرفه جميعا الآن ، كواحدة من اكبر شركات التقنية حول العالم.
التوسع العالمي
بعد سنوات من إطلاق جهاز الووكمان، استطاعت الشركة حصد تمويلات ضخمة لتطوير المزيد من الاجهزة التقنية المميزة، حتى وصلت الى طرحها في البورصة ، وهو أدى الى حصدها تمويلات مضاعة ساعدتها على التوسع حول العالم.
في الستينيات وما بعدها، صعدت الشركة سريعا للاستحواذ على عدة شركات أمريكية واوروبية وآسيوية ، وتحولت الى كافة الصناعات الاليكترونية الدقيقة والصغيرة والكبيرة ، مثل شاشات التلفاز والثلاجات والاجهزة ، وصولا الى الهواتف التقليدية ، ثم لاحقا الهواتف الذكية.
في منتصف التسعينيات، رحل موريتا عن عالمنا بسكتة دماغية، تاركا وراءه شركة عملاقة مازالت علامتها التجارية تجوب العالم ، ويعمل بها مئات الآلاف من الموظفين، وعشرات المصانع العملاقة، وايرادات سنوية تزيد عن ال200 مليار دولار ، وتعتبر الشركة من اهم اعمدة الاقتصاد الياباني.
وقبل ان يرحل عن عالمنا، كتب موريتا كتابه الشهيرة ( لا تهتم بدرجاتك في المدرسة ) يروي فيها سيرته الذاتية، قائلا انه وان كان قد حصل على تعليم جيد، ولكنه مصمم ان كل ما بناه ، بناه بسبب تمرسه في الحياة والوعي بالفرص وحصد الخبرة.
وليس ابداً مدرجات الدراسة أو الجامعة – كما أكد موريتا في كتابه -!
ولاحظ ان التعليم الذي يقصده هو التعليم الياباني المتطور كذلك. ما بالك بالتعليم المتواضع الذي يتلقاه الكثيرون في العديد من دول العالم، والذين يتعللون انه سبباً في نجاحهم او فشلهم في الحياة.
