تحول الذهب من “زينة” إلى “نقود” ومن ثم “استغناء” هو رحلة اقتصادية ذكية تطلبت قروناً من التطور. إليك القصة بالتفصيل:
أولاً: كيف تحول الذهب إلى نقود؟
قبل الذهب، كان الناس يعتمدون على المقايضة (تبادل قمح مقابل ماشية)، لكنها كانت صعبة (ماذا لو لم يرد صاحب القمح ماشيتك؟).
هنا برز الذهب كحل مثالي بسبب:
* الندرة: لا يمكن العثور عليه في كل مكان.
* القابلية للانقسام: يمكن صهره وتقسيمه لأجزاء صغيرة دون أن يفقد قيمته.
* الثبات: لا يصدأ، لا يتبخر، ولا يفنى.
مراحل التحول:
* الذهب بالوزن: في البداية، كان الناس يحملون “سبائك” أو “قطعاً” ذهبية، وعند الشراء يتم وزن القطعة بميزان دقيق.
* سك العملة (600 ق.م): لضمان الوزن والنقاء، بدأت الحكومات (مثل مملكة ليديا) بختم قطع ذهبية بوزن ثابت وشعار رسمي. هكذا وُلدت “العملة المعدنية”.
* إيصالات الذهب (نشأة البنوك): كان من الخطر حمل الذهب بكميات كبيرة، فبدأ الناس بإيداعه لدى “الصاغة” مقابل “وصل ورقي” يثبت حقهم. اكتشف الناس أن تداول هذه الأوراق أسهل من حمل الذهب، فكانت هذه هي العملات الورقية الأولى.
ثانياً: كيف تم الاستغناء عنه (نظام غطاء الذهب)؟
حتى عام 1971، كان بإمكانك (نظرياً) الذهاب للبنك المركزي واستبدال أوراقك النقدية بذهب. هذا ما يسمى “معيار الذهب”. لكن العالم استغنى عنه لعدة أسباب:
* قيود النمو: إذا أرادت الدولة طباعة نقود لبناء مستشفيات أو جيوش، يجب أن تملك ذهباً مقابلها. إذا لم تجد مناجم جديدة، يتوقف الاقتصاد عن النمو.
* الحروب العالمية: خلال الحربين العالميتين، احتاجت الدول لطباعة نقود ضخمة لتمويل الحرب، فتجاوزت كمية الورق ما تملكه من ذهب فعلي.
* اتفاقية بريتون وودز (1944): بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الدولار الأمريكي هو العملة الوحيدة المرتبطة بالذهب (35 دولاراً لكل أوقية)، وبقية العملات مرتبطة بالدولار.
ثالثاً: “صدمة نيكسون” (نهاية العهد الذهبي)
في عام 1971، حدث التحول الجذري الذي نعيشه اليوم:
* واجهت أمريكا أزمة اقتصادية وطلبت دول (مثل فرنسا) استبدال دولاراتها بذهب من الخزائن الأمريكية.
* أدرك الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أن كمية الذهب في “فورت نوكس” لن تكفي لتغطية كل الدولارات الموجودة في العالم.
* القرار التاريخي: أعلن نيكسون من طرف واحد إيقاف تحويل الدولار إلى ذهب.
النتيجة: منذ ذلك اليوم، أصبحت النقود في جيوبنا تسمى “عملات إلزامية” (Fiat Money). قيمتها لا تنبع من ذهب يحميها، بل من ثقة الناس في الحكومة التي تصدرها وقوة اقتصادها.
هل استغنينا عنه تماماً؟
فعلياً “لا”. لم يعد الذهب عملة نشتري بها الخبز، لكنه تحول إلى “الملاذ الآمن”.
* البنوك المركزية: لا تزال تحتفظ بآلاف الأطنان من الذهب كاحتياطي استراتيجي للطوارئ.
* الأفراد: يشترونه للتحوط من انهيار قيمة العملات الورقية.
