بين الحضارتين الشرقية والغربية.. أين كان مهد الحضارات الأولى؟

الشرق مقابل الغرب، آسيا مقابل أوروبا، مفاهيم واصطلاحات قامت في الذهن ولا تزال، فهل لهذا التقسيم للعالمين القديم والحديث والذي ينسحب على الثقافة والحضارة ما يبرره؟

نقش بارز في المتحف الوطني العراقي في بغداد يعود لأكثر من 5 آلاف عام (أسوشيتد برس)

جعل الجغرافيون البحر المتوسط هو الحد الفاصل بين هذين العالمين، لتبقى هذه التقسيمات تنقصها دوما الدقة والوضوح، إذ ليست هناك خطوط أو تخوم ثابتة جغرافيا تستدعي هذا النوع من التقسيم، بل هي حقائق نسبية ولا تحتمل الإطلاق.

تبقى أفريقيا من العالم القديم، إلى أي القسمين من العالم القديم تنتمي؟ هل هي في عداد الشرق أم في عداد الغرب؟ وأفريقيا موطن تلك الحضارة الموغلة في القدم، والتي قامت على ضفاف النيل لتمتد وتنتشر ليطال وهجها آسيا وأوروبا على السواء.

أما ماذا في التاريخ حول هذا التقسيم؟ ليس الأمر في التاريخ أفضل حالا عما هو في الجغرافيا حول مفهوم الشرق والغرب، ما هو شرقي وما هو غربي، لأن التاريخ بحد ذاته عدا أنه مكان وزمان هو أيضا حدث أو موقف حاصل في مكان وزمان، فالتغير والتبدل، التأثر والتأثير عبر الزمان هي سمة من سمات الشعوب والأمم والحضارات، فالحضارات تبدأ صغيرة وتكبر وتشيخ وتهرم، هذا ما رآه ابن خلدون في إعمار الشعوب والأمم وحضاراتها.

في هذه المنطقة من العالم القديم نشأت أقدم الحضارات البشرية بالعالم، هذا باعتراف مؤرخي الغرب المحدثين أنفسهم، حيث تراجعوا عن قولهم إن الغرب ممثلا باليونان والرومان هو مهد الحضارة ومنبت العقل البشري، وإن العقل اليوناني هو نواة العقل البشري وخميرته التي نمت وأينعت لتشكل العقل الغربي في ما بعد فيكون من العبث والحالة هذه الحديث عن حضارة بحت غربية لا شرق لها أو العكس، وكأن الحديث يكون عن جزيرة منقطعة عن ما حولها، ولم يحدثنا التاريخ أبدا عن مثل هذه الجزر، اللهم ما جاء به بعض الفلاسفة من مدن فاضلة ويوتوبيات لا حقيقة لها على أرض الواقع.

وباختصار، لا نجد في الجغرافيا كما في التاريخ ما يبرر تلك المفاهيم ويدعمها (شرق وغرب) ويوضحها اللهم إلا في ذهن المتحدثين بها وعنها، فهي في حقيقتها أمور نسبية، شرقي نسبة لما هو غربي، وشمالي نسبة لما هو جنوبي، والعكس صحيح.

قبل أن يكون الشرق القديم (بلاد ما بين النهرين، آسيا الصغرى، الشرق الأدنى، الحوض الشرقي والجنوبي للبحر المتوسط) مهبطا للأديان السماوية والعالمية (اليهودية، النصرانية والإسلام) كانت هذه المنطقة من العالم القديم منبتا صالحا لمعتقدات دينية وأيديولوجيات تميزت وتفردت بها وأضفت عليها خصوصية طبعت تفكيرها وعقلها وحياتها، وعن هذه المعتقدات نتج ما نتج من مدنيات وحضارات شهد لها العالمان القديم والحديث على حد سواء، وصح بها القول: شعوب شرقية، وتفكير شرقي، وروح شرقية، وحضارات شرقية.

في هذه المنطقة من العالم القديم نشأت أقدم الحضارات البشرية بالعالم، هذا باعتراف مؤرخي الغرب المحدثين أنفسهم، بعد أن عادوا إلى رشدهم فأنصفوا ذواتهم والآخرين، حيث تراجعوا عن قولهم إن الغرب ممثلا باليونان والرومان هو مهد الحضارة ومنبت العقل البشري، وإن العقل اليوناني -لا عقل قبله- هو نواة العقل البشري وخميرته التي نمت وأينعت لتشكل العقل الغربي في ما بعد.

وهكذا عاد الغربيون أنفسهم لينطقوا بالحق ويقولوا على لسان وِل و. ديورانت “إن الآريين لم يشيدوا صرح الحضارة، بل أخذوها عن بابل ومصر، وإن اليونانيين لم ينشئوا الحضارة إنشاء، لأن ما ورثوه منها أكثر مما ابتدعوه، وكانوا الوارث المدلل المتلاف لذخير من الفن والعلم مضى عليها 3 آلاف من السنين، وإذا درسنا الشرق الأدنى وعظمنا شأنه فإننا بذلك نعترف بما علينا من دَيْن لمن شادوا بحق صرح الحضارتين الأوروبية والأميركية، وهو ديْن كان يجب أن يؤدى منذ زمن بعيد..”.

وهكذا منذ القرن الـ19 أخذت الحقيقة تنجلي عن وقائع وشواهد لم يكن أمام الفكر البشري إلا الاعتراف بها والجهر عنها ليصبح الشرق أرضا وشعوبا وأمما، فكرا ومعتقدا وخلقا موضع عناية واهتمام كل باحث عن الحقيقة، والحق لا يعدم أنصارا يصدعون به.

ولا بد للحقيقة أن تعبر يوما عن ذاتها رضي المنكرون والمكابرون أو رفضوا، وإن طال الزمن، حيث قام في الغرب من يتهم الفكر الغربي مرة بالغرور وأخرى بمجانبة الحقيقة، وحينا بالجهل وآخر بالتجاهل إلى أن يرفع غوستاف لوبون صوته مجاهرا بالقول “إن الناس وإلى زمن ليس بالبعيد يعتقدون أن اليونان غير مدينين في فنونهم وعلومهم وآدابهم لغيرهم من الأمم التي سبقتهم، لكن هذا الرأي لم يعد التسليم به ممكنا، فإنه وإن كانت الحضارة القديمة قد بلغت الأوج في بلاد الإغريق إلا أنها ولدت ونمت في الشرق، ونحن نعلم اليوم أنه في العصر الذي لم يكن اليونان إلا جهلة وبرابرة كانت هناك حضارات لامعة زاهرة على ضفاف النيل وما بين النهرين”.

وها هو إميل بريهية يتهم الفكر الغربي بالسذاجة والتحيز عندما ظن أهله أن فكر سقراط وأفلاطون الرواقية والأفلاطونية “الحديثة” كل هذا مرجعه “تقدم العقلية اليونانية تقدما منطقيا وحتميا”.

وهذا ما جاهر به أندريه إيمار في مقدمته “تاريخ الحضارات العام” متهما فلاسفة القرن الـ18 وما قبله بالتحيز والشعوبية والغرور حين اعتبروا أن حضارة الغرب كانت وليدة لتقدم الفكر الأوروبي ولها أفضلية على سواها من الحضارات، وينتقد كل من راح يروج لهذه المقولة الخاطئة “لقد وضع تقدم العلوم والتكنولوجيا بين أيدي الأوروبيين طاقة مادية بلغ من شأنها ما أدخل في روعهم تسامي حضارتهم وأفضليتها على سواها من الحضارات الأخرى وكأنها الحضارة البشرية الفضلى، وراح يعتقد أن من حقه فرض هذه النظرية على العالم كله بالقوة حتى تبناها وعمل بها ونهج عليها، إلا أن طمأنينة الضمير الأوروبي لم تتعدَّ هذا القرن، وقد انتهى أمرها الآن كما يستدل من التعابير التي درجوا على اصطلاحها تشاؤما، إذ كثيرا ما تتردد على شفاه الكتّاب عبارات كهذه “أزمة الحضارة”، و”الحضارة في خطر”، والحضارة على المحك”.

وهكذا وأخيرا، سقطت مقولة الأحادية القطبية للحضارة البشرية وللعقل البشري، وأيضا الفوقية لحضارة ما أو لعقل ما على ما سواه، ليأتي الاعتراف ولو متأخرا على أن الشرق كان مهدا لأولى الحضارات التي عرفتها البشرية، وله أسبقية في المدنية والحضارة في الزمن على الغرب الذي اعتبر خطأ إلى وقت ليس بالبعيد على أنه الموطن الأولى والوحيد لحضارة البشر