أسقط الإمبراطورية الرومانية وأفشل غزو المغول لليابان.. كيف صنع الطقس أحداثاً تاريخية كبرى؟

ما إن هلّت علينا بوادر الشتاء حتى اشتكى كارهو البرد من التغييير الذي يطرأ في حياتهم بسبب وعورة الطقس، فما بين المطر والثلج أحياناً أو انخفاض درجات الحرارة في أغلب الأحيان تتغيّر حياتنا ولو قليلاً؛ نعجز عن اللحاق بموعدٍ أو نتقاعس عن أداء آخر.



حسناً، إن بات الطقس يلعب دوراً مؤثراً في صياغة أحداث حياتك فلا تقلق، لستَ وحدَك، فالعالم بأسره صيغت الكثير من تواريخه بسبب أفاعيل الطقس.

وفي عام 2011م، كشفت دراسة بحثية أمريكية، أن هناك علاقة وثيقة بين التغيرات المناخية القاسية والتغيرات المجتمعية/التاريخية الحادة.

من أشهر الأمثلة على ذلك توقف مسيرة الجنرال الفرنسي المُظفَّر نابوليون بونابرت، بعدما اكتسح أوروبا وحقّق الانتصار تلو الآخر، حتى توغل في قلب روسيا واستولى على موسكو بالفعل، فوجئ بدرجة حرارة تجاوز 22 تحت الصفر، وهو ما أوقعه في سلسلة لا تنتهي من الخسائر، يُمكننا تخيل مدى فداحتها لو علمنا أن 25% فقط من جنود نابوليون عادوا من روسيا، أي أنه خسر قرابة 450 ألف رجل، ليس بسبب الحرب، ولكن بسبب الصقيع!

وهو ذات ما تكرّر مع الألمان في الحرب العالمية الثانية، بعدما توقّف المدّ النازي على أبواب موسكو بفضل جليدها، الذي أفقد الألمان أطرافهم وأنوفهم، وعجزت ملابسهم الخفيفة عن وقاية أجسادهم.

هذه الأمور ليست بالغريبة في التاريخ الحربي، الذي يعلمنا أن الشتاء لعب دوراً كبيراً في تغلُّب اليونانيين على جيوش الملك الفارسي زركسيس (Xerxes) سنة 480 ق.م.

في ضوء هذه الهزائم يُمكن فهم حرص أمريكا على استعمال الطقس كسلاح عسكري، وهو ما ظهر مثلاً خلال حربها في فيتنام. ففي سنة 1974م، أجرت الولايات المتحدة ما عُرف بـ”عملية بوباي”، التي هدفت للتدخل في مناخ فيتنام وإرغام السحاب على سكب المزيد من الأمطار، بما يُعطي أفضلية للقوات الأمريكية، ويعيق تقدم قوات فيتنام الشمالية.

أعتقد أن هذه الأمثلة شهيرة بما فيه الكفاية لعدم الحديث عنها كثيراً عند استعراض دور الطقس في صياغة تاريخنا، حتى نُفسح المجال للحديث أكثر عن المزيد من الأمثلة الهامة والمجهولة من أفاعيل الطقس التي صنعت دولاً وأنهت أخرى.

الإمبراطورية الرومانية: الجفاف والرعد
في العام 7 ق.م، وجّهت روما عدة حملات عسكرية لغزو شمال ألمانيا، حشدت القبائل الجرمانية (سمّاها الرومان تاريخياً بـ”البرابرة”) قواتها لمواجهة الغزو الروماني المُحتمل، وعندما تلاقى الجمعان اكفهرت السماء بسحبٍ مُلبّدة أغرقت الجانبين في مطرٍ كثيف، حوّل الأرض إلى مستنقعات من طين امتزج فيها الماء بالدماء.

بسبب هذا الطقس المُباغت عانَى الرومان أكثر من أعدائهم، فعرباتهم الثقيلة عجزت عن الحركة، كما أن دروعهم السميكة امتلأت بالماء، وأصبحت ثقيلة جداً على أجساد الجنود، بينما أصاب البرد الخيول بالذعر.

أيضاً، كان الرومان يعتبرون العواصف “نذير شؤم”، وكانت ضربة برق واحدة في السماء كافية لإلغاء أكثر التجمعات أهمية في روما، فما بالك بالروح المعنوية للجنود والصواعق تتفجر في السماء من فوقهم؟!

على الجانب المقابل، فإن الجرمانيين المعتادين على هذا الطقس لم تُصبهم خسائر تُذكر، فواصلوا القتال كأن شيئاً لم يكن، خاصةً أنه بحسب عقيدتهم فإن الرعد هو علامة تأييد من “ثور” إله الطقس والحرب عندهم، فاعتبروا أن هذا المناخ صُنع لهم خصيصاً لدحر الغزاة الرومان، فازدادوا إقبالاً على إقبال، وألحقوا بالرومان هزيمة مُذلة.

بعد عدة سنوات، ستلعب تلك القبائل الجرمانية دوراً كبيراً في غزو روما نفسها وإسقاط الإمبراطورية الرومانية بأسرها، وفي وقتٍ لاحق ستنحدر من هذا الجيب الجرماني المُناضل قبائل الأنجلو ساكسون، التي ستنتقل إلى بريطانيا، وسيكونون النواة الأصلية التي نبت منها الشعب الإنجليزي.

لو انتصر الرومان في معركتهم شمال ألمانيا لما عرفنا إنجلترا بشكلها الذي نعرفه اليوم، ولمدّ الرومان تأثيرهم اللاتيني في أنحاء أوروبا، فلن نعرف القوميات السويدية ولا النرويجية ولا الألمانية ولا الهولندية التي تحكم أوروبا حالياً، وكل هذا بفضل عاصفة أتت في الوقت المناسب.

أيضاً، في منتصف القرن الـ6 الميلادي، اجتاح وباء الطاعون العالم، وتسبّب في وفاة قرابة 25 مليون مواطن، منهم قرابة نصف أعداد مواطني الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت.

التقديرات ترجّح أن السبب الرئيسي وراء هذا الوباء المُدمّر هو التقلبات المناخية القاسية التي عاشتها إفريقيا في بدايات القرن السادس، وهو ما أدّى إلى كثرة أعداد القوارض بشكلٍ كبير.

تسلّلت هذه القوارض عبر السفن التجارية إلى أوروبا، وهي تحمل فوق أجسادها ملايين البراغيث المُسبِّبة للطاعون، الذي خلّف نتائج مروعة على كافة الأصعدة، على سبيل المثال تقلّص حجم سكان القسطنطينية من نصف مليون إلى 100 ألفٍ فقط!

ساعد على الانتشار المُفزع للطاعون في أنحاء أوروبا تعرُّضها لحادث مأساوي عام 530م، حجب الشمس لمدة قاربت العام، لا نعلم تحديداً ما هو: هل كان بركاناً هائلاً، أو جسماً فضائياً خارجياً ضرب الأرض في مقتل؟ لا أحد يدري.

المهم أنه حجب شمس أوروبا عن أرضها، وحرمها من أعظم مُطهّر عرفه الكون (أشعة الشمس)، فكانت الأرض خصبة للفئران وللطاعون ليعيثا في الأرض فساداً ويوقعا من الضحايا ملايين وملايين.

الإسبان يستولون على أمريكا الجنوبية
القصة المعروفة لاستيلاء الإسبان على أراضٍ شاسعة من العالم الجديد بعد تدميرهم حضارات بالغة العراقة كالمايا والأزتيك، والاستيلاء على أوطانهم خلال الفترة من 750م وحتى 900م.

الجانب المجهول من القصة هو أنه، ولحُسن حظ الإسبان، فإن فترة قدومهم إلى أمريكا الجنوبية ترافقت مع مرور حضارات الأمريكيين الأصليين بأضعف حالاتها، نتيجة لحالة الجفاف الشديدة التي عانوا منها بسبب توسعهم الشديد في القطع الجائر لأشجار الغابات، لتوفير مساحات للمعيشة وأخشاب للوقود.

وبحسب دراسة أُجريت في 2018م، فإن كميات المطر انخفضت بنحو 70% في الأعوام الأخيرة من حضارة المايا.

المغول يفشلون في غزو اليابان
عام 1274م، حشد قوبلاي خان، حفيد القائد المغولي الشهير جنكيز خان 140 ألف رجل، امتطوا 4 آلاف سفينة، ليُشكلوا واحدة من أكبر القوى البحرية التي عرفتها الدنيا في ذلك التوقيت. سعى قوبلاي خان لغزو اليابان بعدما سيطر على مساحات شاسعة من الصين.

فشلت المحاولة بسبب تعرُّض الأسطول المغولي لأعاصير عنيفة، منعته من الاستيلاء على الأراضي اليابانية، أطلق اليابانيون على ذلك الإعصار اسم “كاميكاز” أو “الرياح الإلهية”.

بمرور الوقت تحوّلت هذه الواقعة إلى أسطورة في المخيال الشعبي الياباني، بعدما اعتبروا أن هذه الأعاصير إنما أتت بأمرٍ من الإمبراطور شخصياً.

هذه الأسطورة راجت بشدّة عند قتال الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية، وخاصةً بعدما تعقّد الموقف العسكري، فناشد الإمبراطور طياريه اليابانيين بأن يكونوا “الرياح الإلهية” التي تحميهم من الغزو الوشيك للحلفاء.

وهو ما استجاب له الطيارون اليابانيون عبر تنفيذهم عمليات انتحارية يصدمون خلالها سفن الأمريكيين بطائراتهم، وهو التكتيك الذي اشتهر لاحقاً بذات الاسم؛ “الكاميكاز”.

وفي 2015م، عثر علماء الآثار على إحدى سفن أسطول قوبلاي التي كادت تضمُّ اليابان لإمبراطورية المغول لولا الأعاصير.

ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي يوجّه فيها المناخ ضربة للمغول، فبحسب دراسة أُعدّت في 2020م، فإن المغول اضطروا للانسحاب من المجر سنة 1242م، بسبب المناخ شديد الرطوبة للمجر، الذي خلق مساحات كبيرة من المستنقعات أعاقت حركة سلاح الفرسان المغولي، ومنعتهم من السيطرة بشكل فعّال.

الضباب أسّس أمريكا
في أغسطس/آب 1776م، كانت الثورة الأمريكية تخوض المعركة تلو الأخرى، طمعاً في انتزاع الاستقلال من الإمبراطورية البريطانية.

إحدى هذه المعارك الفاصلة جرت في بروكلين، حين باغت الإنجليز القوات الأمريكية وحققوا عليها انتصاراً كبيراً، كان من الممكن أن يتطوّر إلى مذبحة تقضي على العمود الفقري للجيش الأمريكي بأسره لولا المناخ، خاصة أن قائد هذه القوات كان جورج واشنطن، الذي سيلعب دوراً فاصلاً لاحقاً في تأسيس دعائم الدولة الأمريكية.

طلب البريطانيون المزيد من السفن، التي تأخرت بسبب ضعف الرياح، فضعفت أطواق الحصار التي فُرضت على الأمريكيين.

لم يكن هذا هو التدخل الطقسي الوحيد لصالح أمريكا، وإنما ظهور ضباب كثيف على المنطقة، مكّن واشنطن من تنفيذ عمليات إجلاء لرجالها لم يلحظها البريطانيون، وأنقذتهم من خسارة مُذلة، كانت ستقضي على أي أمل للثورة الأمريكية في النصر.

الثورة الفرنسية وعصر الجليد
خلال الفترة ما بين 1680م حتى 1730م عانت أوروبا من انخفاض كبير في درجات الحرارة، وهو ما دفع المؤرخين إلى وصفه بـ”عصر الجليد المُصغّر”.

أعقب هذا العصر الجليدي وقوع انفجار بركاني في أيسلندا، سنة 1783م، نشر موجةً شاسعةً من الجفاف في جميع أنحاء أوروبا.

في فرنسا، دمّر المناخ الأراضي وأتلف المحاصيل، وضاعف من معاناة الفلاحين الذين يُعانون أصلاً من قسوة الضرائب. زار الرئيس الأمريكي جون آدامز فرنسا عام 1785م، وكتب عنها “البلد كومة من الرماد، من النادر رؤية العشب، كل أنواع الحبوب شاحبة وضعيفة، أما نبات الكتان فقد مات تماماً… أُشفق على هذا الشعب من أعماق نفسي”.

وفي عام 1788م، دُمّر مخزن الحبوب في البلاد، ما أشعل اضطرابات سياسية كانت بداية اندلاع الثورة الفرنسية، التي وُصفت بأنها “أشهر تمردات الجياع” في التاريخ.