من مدينة صغيرة إلى إمبراطورية شاسعة.. قصة صعود روما وانحدارها

في القرن الثامن قبل الميلاد، كانت روما مجرد بلدة صغيرة تقع على ضفاف نهر التيبر في وسط إيطاليا، لكنها نمت على نحو مثير للاهتمام لتصبح إمبراطورية شملت في ذروتها معظم أوروبا القارية وبريطانيا ومعظم غرب آسيا وشمال إفريقيا وجزر البحر الأبيض المتوسط.

وخلال فترة صعودها تحولت روما من مدينة صغيرة إلى جمهورية ثم إلى إمبراطورية قبل أن تتدهور وتسقط بحلول القرن الخامس الميلادي.

روما.. المدينة التي أسسها أبناء الذئاب
تقول الأسطورة إن روما تأسست عام 753 قبل الميلاد على أيدي الأخوين رومولوس وريموس وهما توأمان تم التخلي عنهما فعاشا في البرية وأرضعتهما أنثى ذئب.

وتقول الأسطورة أيضاً إن رومولوس قتل أخاه لما كبر وأصبح أول ملك لروما (التي سُميت بهذا الاسم تيمناً به)، وفقاً لما ورد في موقع History.

تعاقب الملوك الأسطوريون على حكم روما بعد ذلك، ولم ينتهِ عهد الملكية حتى عام 509 قبل الميلاد حيث أطاح الشعب بملك روما السابع بعد ما قام ابنه باغتصاب سيدة فاضلة مشهورة في روما، وهكذا تحولت روما من ملكية إلى جمهورية.

وبالتأكيد، لا يوجد الكثير من السجلات التاريخية التي تتحدث عن تلك الفترة، لذلك، بعيداً عن الأساطير لا يعلم على وجه التحديد متى أو كيف تأسست روما، ولا نعلم أيضاً فيما إذا كان أولئك الملوك الأسطوريون قد وُجدوا بالفعل.

لكن نعلم أن الحفريات أشارت إلى أن روما كانت مأهولة بالسكان منذ أكثر من 3 آلاف عام، وأن النظام الجمهوري قد شق طريقه بالفعل إلى هذه المملكة الناشئة.

روما الجمهورية.. إمبراطورية بلا إمبراطور
استمر النظام الجمهوري في الحكم حتى عام 27 قبل الميلاد وحاول تحقيق التوازن بين مصالح الأرستقراطيين -وهم طبقة النبلاء من المواطنين الرومان- والعوام -وهم الطبقة الأقل مستوى والأكثر فقراً- وكان العبيد جزءاً من المجتمع الروماني ولكنهم لم يحوزوا الجنسية الرومانية.

وليس من الواضح ما إذا كانت المحاولات المبكرة للديمقراطية في بعض الدول اليونانية القديمة قد ألهمت الرومان لتبنِّي النظام الجمهوري أم لا.

في ظل الحكم الجمهوري، توسع الحكم الروماني ليشمل إيطاليا والكثير من المناطق في إيبيريا وشمال إفريقيا واليونان والغال وأجزاء من الشرق الأوسط.

وفي ذلك التوسع كتب المؤرخ أدريان غولدز ورثي، في كتابه “Pax Romana: War, Peace and Conquest in the Roman World”: “كانت لروما إمبراطورية قبل عهد طويل من وجود إمبراطور لها”.

صعود أغسطس وبداية عهد الإمبراطورية الرومانية
منذ أن منح مجلس الشيوخ الروماني أوكتافيان، ابن أخ يوليوس قيصر الكبير، لقب “أغسطس” (الذي يعني “الشخص الموقر”) لم تعد روما جمهورية، وكان ذلك في عام 27 قبل الميلاد.

انتصر أوكتافيان في الحرب الأهلية التي مات فيها عدوه مارك أنتوني منتحراً، بعد أن قتلت كليوباترا السابعة نفسها. ومع التخلص من أعدائه، انحصرت السلطة في أيدي أغسطس وخلفائه.

توسعت روما نفسها بشكل هائل بحلول الوقت الذي وصل فيه أغسطس إلى الحكم.

وغالباً ما يُرجِع المؤرخون المعاصرون حقبة “الإمبراطورية الرومانية”، أي الوقت الذي أعقب انتهاء الجمهورية الرومانية، إلى المدة الزمنية الواقعة بين عامي 27 قبل الميلاد حتى 476 بعد الميلاد.

وخلال هذه المدة، وفي ظل حكم واحد أو أكثر من الأباطرة، توسعت الإمبراطورية لتشمل إنجلترا وويلز وأجزاء من رومانيا الحديثة؛ بل وشُنت محاولات مشؤومة لغزو الأراضي التي تُعرف الآن بألمانيا واسكتلندا والعراق، وفقاً لما ورد في موقع Livescience الأمريكي.

تسمى المدة الزمنية الواقعة بين عامَي 27 قبل الميلاد و180 بعد الميلاد أحياناً باسم “Pax Romana” (السلام الروماني)؛ لأن رومانيا كانت مستقرة نسبياً مقارنة بالأوقات التي سبقت هذه التواريخ وتلتها. ومع ذلك، كان لا يزال هناك عدد من الاغتيالات والحروب الأهلية خلال هذه الفترة.

نهاية روما القديمة على أيدي العثمانيين
غالباً ما يُنظر إلى المدة التي تلت عام 180 بعد الميلاد على أنها حقبة تدهور للإمبراطورية الرومانية، إذ تصاعدت الاضطرابات وتعرضت حدود الإمبراطورية للهجوم من عدة جهات.

نمت شعبية الديانة المسيحية وجرى التسامح معها رسمياً تحت حكم قسطنطين، بداية من 326 ميلادياً حتى 336 ميلادياً. ثم أصبحت في النهاية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ما أدى إلى الإطاحة بالآلهة المتعددة التي كانت تعبد من قبل.

انقسمت الإمبراطورية في النهاية إلى جزئين وأصبحت الإمبراطورية الرومانية الغربية والإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان الإمبراطوران يتعاونان مع بعضهما في بعض الأحيان ويتصارعان فيما بينهما في أحيان أخرى.

وكان مصير المنطقتين مختلفاً تماماً؛ انهارت الإمبراطورية الغربية خلال القرن الخامس بعد الميلاد عندما أُطيح بآخر إمبراطور روماني لها عام 476 بعد الميلاد، بينما استمرت الإمبراطورية الشرقية لما يقرب من ألف عام.

ويطلق مؤرخو العصر الحديث على هذا الجزء من الإمبراطورية اسم الإمبراطورية البيزنطية على الرغم من أن سكانها القدامى استمروا في تسمية أنفسهم بالرومان.

لا يزال الوضع هكذا حتى عام 1453 عندما استولت الإمبراطورية العثمانية على القسطنطينية، وهي مدينة إسطنبول الحالية، وحينها سقطت الإمبراطورية الرومانية السقوط الحقيقي للأبد.