أفلاطون (باللاتينية: Plato) (باليونانية: Πλάτων)‏ (عاش 427 ق.م – 347 ق.م ) هو أرستوكليس بن أرستون، فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب لعدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، معلمه سقراط وتلميذه أرسطو. وضع أفلاطون الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم.، كان تلميذاً لسقراط، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم.

وقد ظهر نبوغ أفلاطون وأسلوبه ككاتب واضح في محاوراته السقراطية (نحو ثلاثين محاورة) التي تتناول مواضيع فلسفية مختلفة: نظرية المعرفة، المنطق، اللغة، الرياضيات،حيث أبدع بها واعتمدها بكل فلسفته حيث على جدار منزله عبارة لا يدخل علي من ليس مهندساً. الميتافيزيقا، الأخلاق والسياسة.

ولد وسمي “ارستوكليس بن ارستون” في أثينا أوأجانيطس، لا يعرف تاريخ ولادته بالتحديد، ولكن من المرجح أن يكون قد ولد عام 427 ق.م. عرف بأفلاطون، وتعني عريض المنكبين، ولوساعة جبهته وعظم البسطة والجسم. ينحدر أفلاطون من عائلة أرستقراطية عريقة كان لها دور في المجتمع اليوناني. والده هو ارستون وينتمي لكوديرين ووالدته فريكتونا. وتولى تربيته زوج امه فورلامس من سولون. عاش أفلاطون في أفضل فترات أثينا، حيث كانت الثقافة اليونانية في أوج ازدهارها في عهد بيركليس -عهد العلم السقراطي وفن فدياس-.

اما طبقاً لما ذكره المؤرخ ديوجين ليوشيس (200م) فإن والد أفلاطون يرجع نسبه من أبيه إلى أحد ملوك أثينا يدعى Codrus ومن أمه إلى ملوك ميسينيا. والدة أفلاطون اسمها بينكتوني(Περικτιόνη) وهي من سلالة القانوني والشاعر اليوناني الأرستقراطي سولون. بينكتوني أخت اليوناني كريتياس (Κριτίας) وابنة كارميدوس (Χαρμίδης)، كلاهما شخصيات بارزة من الطغاة الثلاثين أوالأوليغاركيون الذين جاءوا بعد انهيار أثينا عند الانتهاء من الحرب البيلوبونيسية (403-404 ق.م). أريستون وبينكتوني والدا أفلاطون كان لديهم ثلاثة أبناء آخرين غير أفلاطون، الأكبر وهو أدمينتوس والآخر قولاكن والأخيرة بوتون -أم الفيلسوف سيوسيبس الذي تزعم أكاديمية أفلاطون بعد وفاته-. وفقاً لما ذكره أفلاطون في كتاب الجمهورية أن أدمينتوس وقولاكن يكبرونه سناً.

لم يشترك أفلاطون بشكل مباشر في الحياة السياسية ولكنه حاول أن يطبق أفكاره بأي شكل، وكان يدعو إلى تغيير كل النظام السياسي وإلى “جعل الفلاسفة ملوكاً”. كان مقتنعاً تماماً بأن السياسة على يد الفيلسوف ستحول العالم تماماً في اتجاه فكرة الخير، ولكن ذلك لم يحدث، فلم يصنع سيمون، بيركليس، تيموستوكليس وميلسياديس من الأثينيين بشراً أحسن، فقد كان دورهم فقط يعتمد على توسيع حدود أثينا، وقد عرفوا بأنفسهم الشر والظلم الكامنين عند الأثينيين، وهذا يعني بأنهم لم ينجحوا في تربيتهم بروح الخير والعدل أو أنهم لم يريدوا ذلك، كتب أفلاطون في “جورجياس”:

أفلاطون أعتقد أنني مع بعض الأثينيين -حتى لا أقول بأني وحدي- نقوم بعمل سياسي حقيقي أفلاطون
سافر أفلاطون في أثناء تجواله إلى سيراكيوز وعقد صداقة هناك مع صهر الحاكم ديونسيوس الكبير، والذي كان يدعى -أي الصهر- ديون، ولكن الحاكم خاف من الإثارة السياسية، فطرد أفلاطون، وعندما توفي ديونيسيوس في عام 367 ق.م، أرسل ديون لأفلاطون لكي يأتي ويقوم بتوجيه ديونيسيوس الصغير -الحاكم الجديد-. استمر تأثير أفلاطون على الحاكم لفترة قصيرة، وأغلب الظن أنه قد وجهه للدراسة الهندسية -باعتبارها علماً أساسيا للحاكم المثالي-. وبعد فترة قصيرة اتهم ديون بالتطلع للحكم وأطيح به، وعندها عاد أفلاطون لأثينا. وفي عام 361 ق.م، سافر أفلاطون إلى صقلية للمرة الثالثة في محاولة منه لعقد صلح بين ديونيسيوس وديون، ولكن محاولاته باءت بالفشل، ووجد نفسه في خضم حرب أهلية نجا منها بصعوبة، وهكذا انتهى مشواره السياسي بالفشل وخيبة الأمل.

فيما عدا هذا النشاط السياسي المحدود، قضى أفلاطون الأربعين عاماً الأخيرة من حياته في أثينا منقطعاً للعلم والتدريس. لم يتزوج، عاش في مدرسته محاطاً بتلاميذه، وكان يعيش حياة مرفهة، وقد هاجمه ديوجنيس الكلبي لكثرة التحف الموجودة في منزله. كان يقوم بتطوير أفكاره باستمرار، وقد قام قبل وفاته بوقت قصير بإجراء بعض التعديلات في الجزء الأول من مؤلفه “الجمهورية”، والذي كان قد كتبه قبل بضع سنوات.

تعليمه
تربى أفلاطون في عائلة مثقفة، اهتمت بتربيته بدنياً وفكرياً، ذكر لوكيوس أبوليوس أن الفيلسوف سيوسيبس أشاد بذكاء وسرعة تفكير أفلاطون، حيث أن أفلاطون تلقى منذ صغره التعليم على يد مدرس خاص وهو الذي أطلق عليه اسم “أفلاطون”، إذ أن اسمه الحقيقي كان أريستوكليس. أحرز العديد من الانتصارات في الدورات الأولمبية، حيث ذكر ديئوتشيس أن أفلاطون تصارع في دورة ألعاب اسثميان. تعلم الشعر والموسيقى والرسم والجمباز والنحو، وأظهر ميلاً شديداَ إلي العلم الرياضي ثم اتجه إلى دراسة الفلسفة على يد أحد أتباع هيرقليطس. وكان فناناً دائماً، مع أن إبداعاته ظهرت في مجال آخر من مجالات المعرفة.

و في سن العشرين تعرف على سقراط وأعجب به، ولازمه لمدة ثماني سنوات، وكان لهذه السنوات تأثير حاسم على حياته، حيث صقلت معارفه، بالذات في علمي المنطق والأخلاق، عدا ذلك كان أفلاطون يتعرف على كل الاتجاهات السائدة في عصره مثل أفكار أرستيب وأنتيستينس وإقليدس. ثم كان لإعدام سقراط وتجرعه السم من أهم الأسباب التي دفعت به إلى ميغاري حيث زار إقليدس ومكث إلى جواره ثلاث سنوات، ثم اتجه إلى مصر وشاهد عظمة آثارها واجتمع بكهنة عين شمس فأعجب بعلومهم وخاصة الفلك ثم اتجه من مصر إلى قورينا فالتقى بعالمها الرياضي المشهور تيودورس، واستمرت رحلات أفلاطون اثني عشر عاماً عاد بعدها إنسانا ناضجا تماما، ثم عاد إلى أثينا عندما نشبت الحرب بين أثينا واسبرطة، واستقر هناك حيث أسس مدرسة في أكاديموس وانقطع للكتابة والتعليم.

مؤلفاته

“الجمهورية” لأفلاطون

ويغلب على مؤلفات أفلاطون طابع المحاورة وهو أسلوب كان شائعاً في العصر الذي ازداد فيه نشاط السفسطائيين وسقراط.

ويعد أفلاطون أول فيلسوف يوناني وصلتنا جميع مؤلفاته، وقد نشرها كلها تراسيلوس، ولكننا لا نستطيع أن نجزم بأن كل ما وصل إلينا من كتب تحمل اسم أفلاطون تصح نسبتها إليه، فقد أثبت النقد التاريخي أن هناك محاورات منقولة نسبت إلى أفلاطون وقد ثبت أنها ليست له، وعلى هذا فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى المؤلفات التي تعرف مؤرخو الفلسفة على صحة نسبتها إليه.أما من حيث تصنيف هذه المؤلفات فقد تمكن العلماء -بعد دراسة أسلوب المحاورات وموسوعاتها من ترتيبها على هيئة تصنيف زمني تطوري حسب أطوار حياة المؤلف- فهناك مؤلفات ترجع إلى عهد الشباب (المحاورات المبكرة)، وأخرى تم تأليفها بعد إنشاء الأكاديمية (محاورات المرحلة المتوسطة)، أما المجموعة الثالثة فهي من إنتاج أفلاطون في عهد الشيخوخة (محاورات المرحلة الأخيرة).

أغلب عناوين مؤلفاته مأخوذة من اسم أحد المحدثين في المحاورة. لم يضع أفلاطون مؤلفاً خاصاً حول نظرية الفكرة -التي تشكل أساساً لمفاهيمه- ولكن كانت مؤلفاته جميعها توضح هذه النظرية.

ظهرت أفكار أسطورية تقول بأن أفلاطون كتب أيضاً مؤلفات غامضة للروحانيين. من المؤكد أن محاضراته في الأكاديمية كانت تختلف عن مؤلفاته (بحسب قول أرسطو).

يعتبر الكثيرون مؤلفات أفلاطون متفردة في نوعها، لأنها عبارة عن حوار، وهذا ناتج من تأثير أسلوب سقراط عليه، وأيضاً الرغبة في تقريب الكتابة من الكلام، والذي كان أفلاطون يعتبره أرقى من الكتابة (يتضح ذلك في مؤلفه “فايدروس”)، ولأن أفلاطون لم يكن مفكراً فقط، بل كان كاتباً ممتازاً أيضاً، ولمحاوراته قيمة فنية، إذ كان يتميز بقدرة كبيرة على جذب القارئ وبتشخيص الناس والمواقف ببراعة. أيضاً من مميزات مؤلفات أفلاطون أن المتحدثين في محاوراته هم العلماء والساسة والمثقفون المعاصرون له، وهو لم يقل كلمة واحدة في محاوراته (ومن هنا توجد صعوبة في تحديد آرائه). تتميز محاورات أفلاطون بحيوية الكلام الدارج، وهي بعيدة عن أسلوب كتابة الكتب العلمية الجافة، ومن الصعب فيها التمييز بين المقولات الجادة والسخرية والمزاح.

ترجمت معظم محاورات أفلاطون إلى العربية. فعن الإنجليزية نقل فؤاد زكريا محاورة الجمهورية (أو السياسة). وعن اليونانية القديمة، نقل عزت قرني، مع مقدمات وهوامش وملاحظات تحليلية، عدة محاورات هي: فيدون، مينون، بروتاغوراس، أقريطون، أوطيفرون، الدفاع، السفسطائي، وثيثيوس..

لا تشكل محاورات أفلاطون -بالرغم من الاعتقاد السائد- حلقات متسلسلة، إذ أن كلاً منها تشكل عملاً متكاملاً -ما عدا استثناءات قليلة-. هناك قضايا ناقشها أفلاطون في عدة محاورات وكان كل مرة يأتي بحل جديد لها، ولهذا كان من المهم تحديد تسلسلها، ولهذا استطاع مؤرخو القرن التاسع عشر عمل تسلسل لها في شكل 3 مجموعات:

محاورات المرحلة المبكرة (السقراطية).
محاورات المرحلة الوسطى (الإنشائية).
محاورات المرحلة المتأخرة (الديالكتيكية).
أهم أعماله هي:

الدفاع عن سقراط.
لاخيس (حوار حول الشجاعة).
خارمنيدس (حوار حول المثابرة).
أيتيفرون (حول التدين).
بروتاجوراس (حول الفضيلة).
جورجياس (في نقد الأنانية).
كراتيل (حول اللغة، والهيراقليطية والاسمية).
مينون (حول إمكانية تعلم الفضيلة).
فايدروس (توضيح العلاقة بين الروح والفكرة).
تياتيت (حول المعرفة).
بارمنيدس (توشيح المنهج الجدلي).
السفسطائي (حول الوجود).
فيليب (حول الخير، والعلاقة بين اللذة والحكمة).
تيمايوس (فلسفة الطبيعة).
القانون (يعرض فيه إضافات لنظريته حول الدولة المثالية).
فيدون (حول خلود الروح): يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة بالضرورة.

أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بالذكريات؛ لأن ما نواجهه في العالم الحسي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي باستحضارها تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.

وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.

وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) من أجل تذكيرنا رمزيًا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.

المأدبة (حول الحب): يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.
والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفان الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراط من تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، أخيرًا إلى حبِّ العلم.

لأنه وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنىndel– الذي هو أحد أجمل الحوارات– لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطين، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.

الجمهورية: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بالفلسفة السياسية.
يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم بالتالي أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.

ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.

ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).

ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.

وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي حيث أن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

من كتبه الحوارية

كراتيلوس (باليونانية: Κρατύλος)‏ هو أحد حوارات  أفلاطون. ويتفق معظم الباحثون أن معظمه كتب خلال ما عرف بفترة أفلاطون الوسطى. ويقابل سقراط في الحوار رجلين هما كراتيلوس وهيرموجينيس، ويسألانه إذا كانت الأسماء “تقليدية” أو “طبيعية”، أي ما إذا كانت اللغة هي نظام من العلامات العشوائية أو ما إذا كانت الكلمات لها علاقة متأصلة بالأشياء ذات الدلالة.

كان لهذا الحوار أول تأثير فكري على أفلاطون. يقول أرسطو أن كراتيلوس أثر أفلاطون بأن قدم له تعاليم هيراقليطس.

كليتوفون (باليونانية: Κλειτοφῶν)‏ هو حوار من القرن الرابع قبل الميلاد ينسب إلى أفلاطون، ويشك في صحة نسبه. ويعتبر أقصر حوار بين مجموعة أفلاطون التقليدية. يركز الحوار على النقاش بين كليتوفون وسقراط، على أن سقراط بقي صامتا في معظمه. حتى وقت قريب ركزت معظم الأبحاث على أصالة الحوار بدلا من تفسير محتواه.

يصور الحوار كليتوفون وهو شكو لسقراط أن خُطَب سقراط هي مجرد خطب تحريضية؛ لأنها تخلق الرغبة في تحقيق العدالة والفضيلة، ولكن لا تقدم الإرشادات ليكون المرء عادلا أو يعرف ما هي العدالة. وطوال الحوار يتكلم كليتوفون عن تعديلاته اتجاه العدالة التحريض ويبدأ برؤية سقراط كإله على الخشبة وتملؤه الآمال والمعتقدات لتحقيق العدالة والفضيلة ثم يتجه لأفكار الشك وخيبة الأمل وينتهي بتحدي سقراط. يعالج الحوار ازدراء كليتوفون للخطب الحماسية أو التحريضية. وهو يعرض جهل سقراط، وكما قال الباحث مارك كريمر، فإنه يصور الصراع من فلسفة سقراط ولاعقلانية كليتوفون

فلسلفته

ولقد أسس أفلاطون الفلسفة المثالية وعرف الفلسفة بأنها السعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة التي تستخدم العقل وسيلة لها وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها

أوجد أفلاطون ماعُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار، التي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًا التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يترك لنا أيَّ شيء مكتوب، بخلاف أفلاطون الذي ينسب إليه نحو أربعين كتابا، بينها سبع وعشرون محاورة موثوقة، في حين يعد الباقي إما مشكوكاً في نسبته إليه وإما منحولاً عليه بالكامل. وتتألق في الحوارات الأولى، المسماة “السقراطية”، صورة سقراط التي تتخذ طابعًا مثاليًاً؛ كما تتضح من خلالها نظريته في الصور المعقولة أو المثل التي هي أساس فلسفته.

تميِّز الميتافيزيقيا الأفلاطونية بين عالمين: العالم الأول، أو العالم المحسوس، هو عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد. ويقع هذا العالم بين الوجود واللاوجود، ويُعتبَر منبعًا للأوهام (معنى استعارة الكهف) لأن حقيقته مستفادة من غيره، من حيث كونه لا يجد مبدأ وجوده إلا في العالم الحقيقي للـمُثُل المعقولة، التي هي نماذج مثالية تتمثل فيها الأشياء المحسوسة بصورة مشوَّهة. ذلك لأن الأشياء لا توجد إلاَّ عبر المحاكاة والمشاركة، ولأن كينونتها هي نتيجة ومحصلِّة لعملية يؤديها الفيض، كـصانع إلهي، أعطى شكلاً للمادة التي هي، في حدِّ ذاتها، أزلية وغير مخلوقة (تيميوس).

هذا ويتألف عالم المحسوسات من أفكار ميتافيزيائية (كالدائرة، والمثلث) ومن أفكار “غير افتراضية” (كالحذر، والعدالة، والجمال، إلخ…)، تلك التي تشكِّل فيما بينها نظامًا متناغمًا، لأنه معماري البنيان ومتسلسل بسبب وعن طريق مبدأ المثال السامي الموحَّد الذي هو “منبع الكائن وجوهر المُثُل الأخرى”، أي مثال الخير.

لكن كيف يمكننا الاستغراق في عالم المُثُل والتوصل إلى المعرفة؟ في كتابه فيدروس، يشرح أفلاطون عملية سقوط النفس البشرية التي هَوَتْ إلى عالم المحسوسات –بعد أن عاشت في العالم العلوي- من خلال اتحادها مع الجسم. لكن هذه النفس، وعن طريق تلمُّسها لذلك المحسوس، تصبح قادرة على دخول أعماق ذاتها لتكتشف، كالذاكرة المنسية، الماهية الجلية التي سبق أن تأمَّلتها في حياتها الماضية: وهذه هي نظرية التذكر، التي يعبِّر عنها بشكل رئيسي في كتابه مينون، من خلال استجواب العبد الشاب وملاحظات سقراط الذي “توصل” لأن يجد في نفس ذلك العبد مبدأً هندسيًا لم يتعلَّمه هذا الأخير في حياته.

إن فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغوري المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية. لأنه عندما نتعلَّم هذه الرياضيات “من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية” يصبح بوسعنا عن طريقها “تفتيح النفس […] للتأمل وللحقيقة”. لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرَّف عن طريقها إلى الأشياء الجلية.

لذلك فإنه يجب على الإنسان – الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة، كما توحي بذلك نظرية التذكر وتحاول البرهنة عليه حجج فيدون. من أجل” فإن الفضيلة، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، تتحقق، بشكل أساسي، عن هي التناغم النفسي الناجم عن خضوع الحساسية للقلب الخاضع لحكمة العقل. وبالتالي، فإن هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة.

هذا وقد ألهمت مشاعية أفلاطون العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية، بدءًا من يوطوبيات توماس مور وكامبانيلا، وصولاً إلى تلك النظريات الاشتراكية الحديثة الخاضعة لتأثيره، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. وبشكل عام فإن فكر أفلاطون قد أثَّر في العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال علم اللاهوت (المسلم أو اليهودي أو المسيحي) أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكِّل هذا الفكر نموذجها الأول.

خصائص فكره
إلى جانب النزعة المنطقية الرياضية متأثر بفثاغورس التي تميز بها أفلاطون الفكري نجد اتجاهاً إلى التصوف وإلى ممارسة الحياة الروحية متأثر بسقراط في أعلى مراتبها فمن الناحية الأولى نجد أن افلاطون قد استخدم المنطق بكل دقة في ميدان المعرفة وذلك في أسلوبه الجدلي المنهجي الذي استخدمه للبرهنة على وجود عالم المثل وكذلك استعار الاستدلال الرياضي من الفيثاغوريين وطبق منهجهم الفرضي وتمسك بضرورة دراسة الفيلسوف للرياضيات وبهذا فقد كتب على باب الأكاديمية لايدخل هذا إلا من كان رياضياً وهذا أكبر دليل على أهمية الرياضيات في مذهبه.

ومن الناحية الثانية نجد أنه قد أضاف إلى هذا المذهب المنطقي الرياضي اتجاهاً صوفياً عميقاً تلقاه من النحلة الأورفيه وتعاليم الفيثاغوريين، وقد كان لهذه النزعة الروحية العميقة عند أفلاطون أثرها الكبير على المتصوفة فيما بعد سواء المسيحيين أو المسلمين. ويبدو أن تعاليم الأورفيه والفيثاغورية لم تكن الصدر الوحيد لهذه النزعة عند أفلاطون بل يرجع إلى طفولة أفلاطون التي امتازت بالتدين والإيمان وبالأسرار العميقة التي ترمز إلى وحي الآلهة ولهذا فإنه اتجه إلى البحث عن المثل العليا أي عن عالم أسمى فيما وراء عالم الحس عالم تنطلق إليه النفس في صفائها وتطهرها فكان أن كشفت له التجربة الروحية عن آفاق عالم المثل.

وقد أحس أفلاطون بصعوبة التفسير اللفظي عن هذا الوجود المتعالي الذي يجاوز نطاق التجربة الحسية ولهذا فقد لجأ إلى الأسطورة وإلى الصور الخيالية لكي يفسر بها حقيقة هذا العالم العقلي وأبعاده المثالية وكان يشعر في أعماق نفسه بأن العبارات الشاعرية الوصفية التي كان يسوقها لإيضاح حقيقة عالم المثل لن تحقق هذا الغرض على الوجه الأكمل. فقد كان أفلاطون إذاً شاعراً بصعوبة التعبير عن مضمون مذهبه لخصوبة الفكرة التي انتهت إليها تجربته الروحية، ولأن اللغة-وقد وضعت للإشارة إلى الموجودات الحسية- لايمكن أن تصبح للتعبير عن عالم مثالى مغاير لعالمنا الحسي في وجوده وطبيعته.

وتم أمر هام كان له تأثيره الواضح على تجربة الأفلاطونية، فعلى الرغم مما كان يبدو من شدة تعطش أفلاطون للمعرفة والمثل العليا مما دفع به فب طريق التأمل والعزلة والتقشف وسيطرة النفس على البدن إلا أنه قد نشأ في بيئة أرستقراطية غرست في نفسه ميلاً إلى ممارسة السياسة والمساهمة في شؤون الحكم، لهذا فقد ظهر لديه اتجاه واضح إلى إيجاد نوع من التوازن والانسجام بين النفس والجسد مما ييسر له سبل الاتصال بالحياة العامة ويحول بينه وبين الإغراق في حياة التأمل الخالص، ومع هذا فإن الفكر الأفلاطوني لم يستطع التخلص من هذا الاتجاه المزدوج إلى النظر وإلى العمل، أو بمعنى آخر الاتجاه إلى التأمل الفلسفي والعمل السياسي معاً، فإذا كانت غاية التأمل الفلسفي عنده هي خلاص النفس وتطهيرها عن طريق ممارسة الحكمة فإن غاية العمل السياسي في نظره إنما تكون في خلق الظروف الصالحة لتربية المواطن اليوناني وذلك عن طريق إصلاحه نظم المدنية اليونانية حتى تكفل لها سلامة في الداخل والخارج.

اراء افلاطون الشفوية

وبالإضافة إلى هذا الإنتاج المدون الضخم، نجد أرسطو يشير في الميتافزيقا إلى مذهب الأفلاطونيين في الأعداد والمثل وهذا موقف لا نجد في محاورات تفصيلات عنه، ولهذا فقد رجح المؤرخون أن ما نسبه أرسطو لأفلاطون من آراء تؤلف في مجموعها الجزء الشفوي على الكلمة المكتوبة والعبارة المركزة ومما يؤيد هذا الرأي أن أرسطو نفسه كان تلميذاً لأفلاطون وكان يواظب على حضور مناقشاته الأكاديمية، فهو إذاً على علم بالتعاليم الشفوية للمدرسة وكل هذه الآراء كان لها تأثير كبير على تطور الفكر الأفلاطوني وظهوره على صورة مذهب الأفلاطونية المحدثة في مدرسة الإسكندرية وعند الإسلاميين والمسيحيين فيما بعد.

نظرية المعرفة عند أفلاطون
يعنى أفلاطون بموضوع المعرفة في محاورات عديدة فيبين أنواعها المختلفة ويرتبها درجات حسب قيمتها في الكشف عن الحقيقة ويهتم اهتماماً بالغاً بتعريف العلم الفلسفي اليقيني وبالتمييز بينه وبين أنواع المعرفة الأخرى الشائعة عند معاصريه. ونقطة البداية في نظرية المعرفة الأفلاطونية تتلخص في إثارة الشك في العالم الحسي، وذلك حتى يعلم السائر في طريق التفلسف أن العالم الذي يعيش فيه هو عالم زيف وخداع. ويقيم أفلاطون تصنيف لأنواع المعرفة في العلوم المختلفة على أساس تفرقته الميتافزيقية بين العالم لمرئي والعالم المعقول فيسمى المعرفة التي تتناول العالم الحسي بالظن. أما المعرفة التي تتناول اللامرئي والمعقول بالعلم أو بالتعقل. ولكي يوضح هذين النوعيين من المعرفة يقول لنتصور مستقيماً(أب)نقسمه أربعة أقسام بواسطة الرموز(جـ، د، هـ)

فالقسم الأول: يرمز للأشباح والظلال المنعكسة عن العالم المحسوس والمعرفة التي تتناولها يسميها وهم.
القسم الثاني: والقسم الذي يليه في المرتبة يشير لموجودات العالم الحسي المرئي ومعرفتها ظن.
القسم الثالث: ويشير إلى التصورات الرياضية ومعرفتها فكر استدلالي.
القسم الرابع: ويشير إلى المعقولات التي هي أقرب إلى الميادئ والتي هي موجودة بغير حاجة للمحسوس فهي عالم المثل ومعرفتها تعقل.
وعلى الرغم من هذه القسمة الرباعية إلا أن أهم مستويات المعرفة التي يعنى أفلاطون بدراستها ونقدها وهي الخبرة الحسية والاستدلال العقلي ثم المعرفة الحدسية التي هي رؤية مباشرة لعالم المثل.

وفاته

مات أفلاطون ميتةً هادئةً عام 347 ق.م في نفس يوم ميلاده -في نفس اليوم الذي ظهر فيه أبولو في الأرض (بحسب معتقدات الإغريق)- وهكذا ربط الأسطوريون بين أفلاطون وإله الشمس، وسادت أفكار بأنه ابن أبولو. وقد أقيم له ضريح بعد موته، وأصبح تلاميذه يحتفلون سنوياً بعيد ميلاده ووفاته، حيث كانوا يعتبرون ذلك اليوم مقدساً، لأن الآلهة أنجبت فيه أفلاطون هدية منها للبشرية بحسب رأيهم.

الأفلاطونية الوسطى

هو اسم حديث يطلق على مرحلة من مراحل تطور الفلسفة الأفلاطونية، التي بدأت من حوالي 90 قبل الميلاد، عندما رفض أنطيوخس الأشقلوني شكوك الأكاديمية المحدثة، وتنتهي في القرن الثالث الميلادي، عندما وضع أفلوطين اسس الأفلاطونية المحدثة.

واستوعبت الأفلاطونية الوسطى العديد من المذاهب من الجامعات المنافسة لها وخاصة مدرستي المشائية و الرواقية. من أشهر فلاسفة هذه الفترة بلوتارخ الذي عاش في حوالي عامي 45 و120) والذي دافع عن حرية الإرادة وخلود الروح. سعى إلى إظهار إلى أن الله خلق العالم من وعاء من الشرإلى الروح الإلهي في العالم والتي استمرت في العمل كمصدر لكل شر. الله هو متعال ويعمل من خلال ألهة الوسطاء والتي هي تماثل آلهة وشياطين الدين التقليدي.

وكما دمج نمنيوس من أفاميا (حوالي عام 160) جنبا إلى جنب الأفلاطونية مع الفيثاغورية المحدثة وغيرها من الفلسفات الشرقية في خطوة التي أدن إلى نشوؤ وتطوير الأفلاطونية الحديثة

الأفلاطونية

مصطلح جامع يدل على فلسفة أفلاطون، أو أي من المناهج الفلسفية الأخرى التي ترتبط ارتباطا وثيقا بفلسفة أفلاطون. أو بمعنى آخر، هي المنهج الذي يشير إلى نظرية الواقعية الأفلاطونية التي تعتبر أن النفس أو الروح البشرية كانت تعيش في عالم مثالي وهو العالم الأبدي، ذلك العالم الذي يحتوي على النماذج الكاملة من كل شيء في الوجود، وبالتالي تكون الروح أسبق من الجسد عند أفلاطون.

إن مفهوم الأفلاطونية الرئيسي هو الفرق بين الواقع الملحوظ غير المفهوم وهو الواقع الذي نعيشه، والواقع المفهوم غير الملحوظ وهو العالم المثالي الذي نزلت منه النفس، ولهذا نجد نظرية أفلاطون في النماذج والأفكار هامة في هذا الموقف إذ أنها تشير إلى أن الأفكار المادية غير المحسوسة والتي نعرفها جميعاً عن طريق الحدس والإحساس تتمتع بأكبر قدر من اليقينية .

وهكذا يرى أفلاطون أن أي إنسان يستطيع أن يتذكر حياته في العالم الأبدي المثالي عن طريق ما يسميه بالتقمص كخطوة أولى. فالإنسان يدرك عن طريق التأمل والتفكير والإحساس والتفاعل الفكري الذي يمارسه كل عقل خلال إدراكه للأشياء في العالم المادي وتنتهي بنوع من الاستذكار للعالم الأبدي الذي وصفه أفلاطون بأنه رؤيا من العالم الآخر.

تعتمد الفلسفة الأفلاطونية بشكلٍ أساسي على نظرية المُثُل Theory of Forms، ويعود أصل فكرة المثل عند أفلاطون إلى عملية التمييز بين الحقيقة والمظاهر، وقد بدأ الجدال في هذا الموضوع في البداية على يد فلاسفة إغريق مثل بارماندس ثم فيثاغورس، ولاحقاً أفلاطون الذي كان يعتقد أنَّ العالم الذي نلمسه ونختبره من خلال الحواس هو عالم غير حقيقي بل هو عالم مشابه أو مستنستخ من العالم الحقيقي بصورة غير كاملة.

بحسب الفلسفة الأفلاطونية فالكائن الحقيقي الواحد مبني على تعدد الأشكال التي تكوِّن كائنات معينة ذات معنى أخلاقي ومسؤول عن نُسخ غير كاملة، وبالتالي فإنَّ كلَّ الأشياء التي تساهم في الوجود والتغيير الدائم هي في الأساس محرومة من الوجود الحقيقي، عادةً ما يتم تعريف تعدد الأشكال من خلال عدد المفاهيم التي يمكن استخلاصها من كائنات معينة بحدِّ ذاتها،وفي المحاورة التالية من كتاب الجمهورية لأفلاطون توضيحٌ لهذه النظريَّة الفلسفية:

“الأمر نفسه ينطبق على العديد من الصفات مثل العادل والظالم، الصالح والسيئ، وجميع الأشكال والمُثل الأخرى، في الحقيقة هذه المُثل هي لنفس الشخص، ولكنَّنا نعبِّر عن الأشخاص بطريقة مختلفة في كل مكان أو موقف معين ولذلك يبدو أنَّ هذه المثل تعود لعديدين مع أنَّها لشخصٍ واحد”
“هذا صحيح”
“لذا فإنَّني أميز بين فئتين: الفئة الأولى أولئك الذين يطلق عليهم محبوا الحرف اليدوية ومحبوا السياحة والأشخاص العملييون، والفئة الثانية أولئك الذين نناقشهم الآن والذين يمكن للمرء أن يطلق عليهم وحدهم لقب الفلاسفة”
“ماذا تقصد بذلك”
“الفئة الأولى هم عشاق الأصوات الجميلة والألوان والأشكال وكل شيء مادي صنع منها، ولكن فكرهم غير قادر على رؤية جوهر الطبيعة واحتضان الطبيعة الجميلة نفسها”
“بالتأكيد”
“في الواقع هناك عددٌ قليل جداً من الناس الذين سيكونون قادرين على الوصول إلى الجمال الحقيقي نفسه ورؤيته بصورة مجردة، أليس كذلك؟”
“من المؤكد”
“ولكن ماذا عن الشخص الذي يؤمن بالأشياء الجميلة ويحبها، ولكنَّه لا يؤمن بالجمال نفسه ولا يستطيع اتباع أي شخص يمكن أن يقوده إلى معرفته؟، ألا تعتقد أنه يعيش في حلم وليس في يقظة؟”
“بالتأكيد أعتقد أنَّ الشخص الذي يفعل ذلك هو في حلم”
يُحدِّد أفلاطون في الجزء السادس من كتاب الجمهورية أعلى شكل من أشكال الخير وهو ذلك الناتج عن وجود معرفة بجميع الأشكال الأخرى، لأنَّ المفاهيم المستمدة من انطباعات المعاني لا يمكن أن تعطينا معرفة بالوجود الحقيقي بأيٍّ من الأشكال الأخرى ، والطريقة المثالية للوصول للحقيقة هي عن طريق العقل المجرد وليس الحواس، لاحقاً حدَّد منظروا الأفلاطونية الحديثة ابتداءً من بلوتينوس مفهوم الخير الأعلى باسم “التسامي المطلق”، ويستند مفهوم الأخلاق الأفلاطوني على اعتبار المعرفة هي الفضيلة الأعلى، وفق هذا الإدراك فإنَّ للأجزاء الثلاثة للإنسان وهي العقل والروح والنفس جميعها نصيب واهتمام خاص، وهكذا سنحصل على الفضائل الثلاثة الحكمة والشجاعة والاعتدال، والرابطة التي توحد جميع الفضائل الأخرى هي فضيلة العدل التي يقتصر من خلالها كل جزء من أجزاء الإنسان على القيام بوظيفته المناسبة.

من هنا نلاحظ أنَّ للأفلاطونية تأثيرٌ عميقٌ على الفكر الغربي، وهي تفترض مثلها مثل الأرسطية كوناً أبدياً على عكس الفكر اليهودي حديث العهد، مع ذلك فهناك اختلافٌ جوهري بين الأرسطية والأفلاطونية فالأخيرة تعتبر الفكرة سابقة للمادة، ورغم ذلك كله فقد حازت العديد من المفاهيم الأفلاطونية على مكان دائم في العقيدة المسيحية.

أكاديمية أفلاطون
تمثل حوارات أفلاطون المصدر الأساسي للفلسفة الأفلاطونية، وقد استخدام أفلاطون في هذه الحوارات شخصية أستاذه سقراط لشرح بعض الأفكار ومناقشتها بالتفصيل مع العلم بأنَّ العديد من هذه الأفكار لا تتوافق مع فكر سقراط ومنهجه، ألقى أفلاطون محاضراته في ما بات يُعرف بالأكاديميَّة وهي عبارة عن مدرسة تحتوي على بستان يقع خارج أسوار أثينا، وقد استمرت هذه المدرسة هناك لفترة طويلة بعد وفاة أفلاطون، ويُقسم تاريخ أكاديمية أفلاطون لثلاثة مراحل: الأكاديمية القديمة والوسطى والجديدة.

كان سبيوسيبوس ابن أخ أفلاطون هو الشخصية الرئيسية في الأكاديمية القديمة حيث خلفه كرئيس للمدرسة حتى عام 339 قبل الميلاد، وكسينوكراتيس حتى عام 313 قبل الميلاد وقد سعى كلٌّ منهما للتوفيق بين نظريات وأفكار فيثاغورث وأفلاطون والدمج بينهما.

في عام 266 قبل الميلاد أصبح أركيسيلوس رئيساً للأكاديمية وأصبحت هذه الفترة تعرف بالأكاديمية الوسطى، وتميَّزت بالتأكيد على أهمية الشك وهاجمت الرواقيِّين الذين أكدوا على يقين الحقيقة، بدأت الأكاديمية الجديدة مع كارنيديس عام 155 قبل الميلاد وكان رابع رئيس على التوالي من أرسيليس، تميَّز بأنه متشكك إلى حد كبير وكان ينكر إمكانية معرفة الحقيقة المطلقة.

الأفلاطونية الوسطى
برز فيلسوف جديد حوالي عام 90 قبل الميلاد يُدعى أنطاكيوس الأسكالوني والذي تميَّز برفضه للشكوك الأفلاطونية القديمة مما مهد الطريق لبدء الفترة المعروفة باسم الأفلاطونية الوسطى، حيث تم دمج الأفلاطونية مع بعض العقائد الباطبية والعديد من العقائد الرواقية، رغم ذلك لم تتجاوز الأفلاطونية الوسطى فلسفة أفلاطون الأساسية ونظرية المُثل التي صاغها، بل كانت في صميم الأفكار الجديدة التي تمَّ طرحها، مع ذلك فقد كان أبرز ما حدث في هذه الفترة هو دمج الفلسفة الأفلاطونية القديمة مع أفكار فيثاغورث والفلسفة اليهودية.

الأفلاطونية الحديثة
في القرن الثالث الميلادي قام بلوتينوس بإعادة صياغة كاملة للفكر الأفلاطوني، واعتبر بذلك مؤسساً للأفلاطونية الجديدة، حيث قام بدمج الأفلاطونية الوسطى مع الفكر الصوفي ودعا إلى الخلاص الروحي والتُحرر عن طريق التأمل، ويمكن عن طريق التحرر الفكري الفلسفي والفكري رفع النفس فوق العالم المادي إلى حالة من النشوة لا يستطيع العقل وحده بلوغها، وتحقيق هذا الاتحاد مع الخير أو “الله” هو الوظيفة الحقيقية العليا للبشر.

لاحقاً طوَّر العديد من تلامذة بلوتينوس كبورفيري وبعده بايمبليكوس نظام فلسفي يعارض الفكر المسيحي، وتمت إعادة تأسيس الأكاديمية الأفلاطونية خلال هذه الفترة، وكان رئيسها الأكثر شهرة هو بروكلوس (توفي 485 ميلادي) وهو معلق مشهور على كتابات أفلاطون وحواراته، واستمرت أكاديمية أفلاطون حتى أغلقها الإمبراطور الروماني جستنيان عام 529.

المسيحية والأفلاطونية
كان للفلسفة الأفلاطونية بعض التأثير على الثقافة المسيحية من خلال عدد من المفكرين والفلاسفة مثل كليمنت الإسكندراني وأوريجانوس، والآباء الكبادوكيون ، كما تأثر القديس أوغستين بشدة بالفكر الأفلاطوني الذي تعرَّف عليه بعمق من خلال الترجمات اللاتينية التي قام بها ماريوس فيكتورينو لأعمال بلوتينيوس، في العصور الوسطى أصبحت الفلسفة الأفلاطونية ثقافة رسمية وشائعة الانتشار في أوروبا، خصوصاً بعد أن تأثرت بالفكر الصوفي الشرقي والغربي، ولكن مع بدايات القرن الثالث عشر الميلادي بدأ أرسطو يصبح أكثر نفوذاً وتأثيراً في الفكر الغربي المسيحي من أفلاطون، مع الإشارة إلى أنَّ فلسفة القديس توما الأكويني بقيت في كثير من جوانبها أفلاطونية.

مع بداية عصر النهضة أصبح العلماء أكثر اهتماماً بأفلاطون وفلسفته، ففي إنجلترا في القرن السادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر تأثر عدد كبير من المفكرين المسيحيين بالفلسفة الأفلاطونية، مع أنَّ البروتستانتية الأرثوذكسية في أوروبا لا تثق بالتفكير العقلي الطبيعي وغالباً ما كانت تنتقد الأفلاطونية بالإضافة لذلك كانت هناك مشكلة في قبول أفلاطون في أوروبا الحديثة وهي كيفية التعامل مع بعض الأجزاء من كتاباته وأعماله، لقد تركت الفلسفة الأفلاطونية تأثيراً كبيراً على بعض الكنائس المسيحية في أوروبا على الرغم من أن تعاليم الإنجيل تتناقض مباشرة مع هذه الفلسفة، ولذلك فإنَّ هذه الفلسفة مازالت تتلقى انتقادات مستمرة من قبل العديد من المعلمين في الكنيسة المسيحية حتى اليوم.

بغض النظر عن الفلسفة الأفلاطونية التاريخية التي نشأت وتطورت على يد مجموعة كبيرة من المفكرين مثل أفلاطون نفسه ونومينيوس وبلوتينوس وأوغسطين وبروكلس، فإنَّ النظرة الفلسفية المجردة للأشياء ما تزال موجودة اليوم وبقوة.

يمكن القول باختصار أنَّ الأفلاطونية هي وجهة نظر مفادها أن هناك أشياء مجردة موجودة بحيث يكون الشيء أو الكائن غير مادي وغير عقلي بشكل تام، وهكذا فإنَّ الأفلاطونية بهذا المعنى هي رؤية فلسفية معاصرة.

هذه الأفلاطونية الحديثة (التي تكتب أحياناً platonism بحرف صغير لتمييزها عن الأفلاطونية القديمة) تم تأييدها ودعمها بطريقة أو بأخرى من قبل العديد من الفلاسفة، ففي أواخر عصر الفلسفة الحديثة تم الدفاع عن الأفلاطونية من قبل المُفكر غوتلوب فريغ، ومن أشهر الفلاسفة التحليليين المعاصرين الذين اعتنقوا الأفلاطونية في مجال الميتافيزيقيا برتراند راسل، ألونزو ، كورت غوديل، كوين ، ديفيد كابلان، شاول كريبك ، وإدوارد زالتا ، وقد دخلت العديد من الطرق الجديدة في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة وأصبحت تعتمد أكثر فأكثر على الأرقام والقيم والخصائص والأنواع والمقترحات والمعاني، وكانت إيريس مردوخ قد تبَّنت الأفلاطونية في الفلسفة الأخلاقية في كتابها الصادر عام 1970 بعنوان “سيادة الخير”، وقد استمدَّ إدموند هوسرل حججه ضدَّ علم النفس من المفهوم الأفلاطوني للمنطق ، ومن أبرز الفلاسفة العالميين المعاصرين المهتمين بالأفلاطونية ليو شتراوس ، وسيمون ويل، وآلان باديو.

الأفلاطونية المحدثة

هي التسمية التي أطلقت منذ القرن التاسع عشر على مدرسة للصوفية الفلسفية والتي تكونت في القرن الثالث مبنية على تعاليم أفلاطون وتابعيه الأوائل. ويعد أفلوطين وأستاذه أمونيوس سكاس من المساهمين الأوائل في تلك الفلسفة. ترتكز الأفلاطونية المحدثة على الجوانب الروحية والكونية في الفكر الأفلاطوني مع مزجها بالديانتين المصرية واليهودية وعلى الرغم من أن اتباع الافلاطونية الجديدة كانوا يعتبرون أنفسهم ببساطة متبعين لفلسفة أفلاطون إلا إن ما يميزها في العصر الحديث يرجع إلى الاعتقاد بان فلسفتهم لديها الشروحات الكافية التي لا نظير لها لفلسفة أفلاطون والتي تجعلها مختلفة جوهرياً عما كان أفلاطون يكتب ويعتقد.

الأفلاطونية الجديدة لأفلوطين وفورفوريس هي في الواقع مجرد اتباع لفلسفة أفلاطون هكذا أشار إليها أساتذة مثل جون ترنر. هذا الاختلاف جاء متناقضاً مع الحركات الأفلاطونية الجديدة التي جاءت بعد ذلك من أمثال لمبليخوس وبرقلس والتي تبنت الممارسات السحرية ” ثيورجى” كجزء من تطور النفس في عملية عودة النفس إلى الأساس أو المصدر. وقد سعى أفلوطين لتوضيح بعض العادات في فلسفة أفلاطون على الأرجح بسبب ما تعرضت له من تشويه وتحريف من قِـبَـل لمبليخوس.

أخذت الأفلاطونية الحديثة شكلاً تعريفياً على يد الفيلسوف أفلاطون ويقال إنه تلقى تعليمه من أمنيوس سكاس فيلسوف من الإسكندرية، كما تأثر أفلاطون بالكسندر الأفروديسي ونومنيوس الفامي وقد جمع تلميذ أفلاطون فروفريوس دروسه في ست مجموعات في كل مجموعة تسع رسائل أو التاسوعيات ومن ضمن فلاسفة الأفلاطونية الجديدة من جاء بعد ذلك : لمبليخوس، هيباتيا الإسكندرانية، هيركلييس الإسكندرانى، برقلس (الأكثر تاثيراً في كل فلافسفة الأفلاطونية الحديثة فيمن جاء لاحقاً) الدمشقى (آخر فلاسفة مدرسة الأفلاطونية الحديثة في أثينا، أوليبمبيدروس الصغير، سيبمبليسيوس الصقلي.

تأثر مفكري الأفلاطونية الحديثة بمفكرين من مدارس فكرية أخرى على سبيل المثال جوانب محددة من الأفلاطونية الحديثة أثرت في المفكرين المسيحيين مثل (أوغسطين، بوثيوس، جون سكوتس أورجينا، بونافنشر) بينما أثرت أفكار المسيحية في فلاسفة الأفلاطونية الجديدة (وأحياناً جعلتهم يتحولون) مثل (ديوسنوس، اروبايجيت).

في العصور الوسطى تعامل مفكرين مسلمين ويهود بجدية في أفكارهم مع قضايا جدلية في الأفلاطونية الحديثة مثل: الفارابي وموسى ابن ميمون؛ مما أحدث نهضة من خلال تعلم نصوص من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة وترجمتها من اليونانية والعربية.

المنشأ

المبشرين الأكثر أهمية للأفلاطونية الحديثة هم الأفلاطونيون الأوسطون، مثل فلوطرخس والفيثاغورين الجدد وبشكل خاص نومينيوس الافامي. فيلون السكندري، رائد الأفلاطونية الحديثة، ترجم اليهودية إلى مصطلحات الرواقي، الأفلاطونيين وعناصر الفيثاغورين الجدد آمنوا أن الله هو “فوق المعقول” الذي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال “النشوة” وذلك أن نبوؤة الله تزود مواد المعرفة الأخلاقية والدينية. الفلاسفة المسيحيين القدامى مثل جاستن وأثيناغوراس الذين حاولوا ربط المسيحية مع الأفلاطونية والغنوصيين المسيحيين في الاسكندرية وخاصة فالنتينوس وأتباع باسيليدس، أيضًا عناصر من الأفلاطونية الحديثة وإن كان دون تماسكه الذاتي الصارم.

كهف أفلاطون أو أسطورة الكهف مَثل ضربه أفلاطون في الباب السابع من كتاب الجمهورية.

كهف أفلاطون – 1604 م,

ويقول جميل صليبا أن المَثل:
«يرمز إلى ان النفس الانسانية في حالتها الحاضرة، أي خلال اتصالها بالبدن، اشبه شيء بسجين مقيد بالسلاسل، وضع في كهف، وخلفه نار ملتهبة تضيء الأشياء وتطرح ظلالها على جدار اقيم امامه، فهو لا يرى الأشياء الحقيقية بل يرى ظلالها المتحركة، ويظن بها حقائق.»
«فالكهف في هذه الاسطورة هو العالم المحسوس، والظلال هي المعرفة الحسية، والأشياء الحقيقية التي تحدث هذه الظلال هي المُثُل.»

وعلى هذا فإن الفيلسوف – حسب أفلاطون – هو الذي يرتقيى بنفسه ويفكر في المُثُل الجوهرية التي تكمن وراء المظاهر الخارجية، ويعرف الحقيقة ويميز العَرَض من الجوهر

نظرية الاستذكار الأفلاطونية

يقصد بالاستذكار في الفلسفة

نظرية الاستذكار الأفلاطونية (بالإنجليزية: Platonic Reminiscence)‏ وهي نظرية في نظرية المعرفة طورها الفيلسوف أفلاطون محاولا شرح مصادر المعرفة أو التصورات وتقسم الوجود الإنساني إلى وجود مثالي وآخر مادي, النفس في الوجود المثالي هي التي تعرف تصورات الأشياء ولكن عندما نزلت من العالم العلوي (مثال) إلى العالم المادي والتحمت بالبدن فقدت بذلك المعارف وأصبح الإنسان يعرف الأشياء باستذكار (أي استرجاع) ما عرفته النفس في الوجود المثالي عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصة والأشياء الأولية.
ركائز النظرية

ترتكز على فكرتين:

النفس سبقت الوجود المادي في عالم أسمى من عالم البدن
الإدراك العقلي هو إدراك الأشياء في هذا العالم الأسمى

النقد

أبرز من انتقد هذه النظرية هو أرسطو تلميذ أفلاطون معللا أن المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامة التي يدركها الفرد بعد تجريدها واستخلاص المعنى العام منها.

شكل الفضيلة عند افلاطون

شكل الفضيلة، أو “شكل الخير الاسمى”، أو “الافعال الجميلة” هو مصطلح اطلقه افلاطون على لسان ارسطو في كتابه “الجمهورية” ليصف نوع من حالة ادراكيه ضرورية لادراك المعرفة الحقة. قدم أفلاطون العديد من النماذج الشكلية في أعماله، ولكنه حدد الفضيلة كشكل فائق اساسي لموضوح، ولكن بمجرد أن يدرك الانسان الفضيلة، تصبح كل الاشكال الاخرى واضحة ومفهومه.

التسمية
استعمل افلاطون كلمة (ἡ τοῦ ἀγαθοῦ ἰδέα) والتي تعني: “الفكرة الصحيحة”. لكن في ادبيات افلاطون الغربية، ترجم المصطلح إلى “form of good” والتي ترجمة إلى العربية بطرق مختلفة بحسب اهواء الكاتب منها: إلى “نوع الفضيلة” و “شكل الفضيلة”. اما ترجمة غوغل فتترجمها إلى “نوع الجيد” وهي اضعف الترجمات. اما عبد الرحمن بدوي، فاستعمل مصطلح “الخير الاسمى” عندما تناول موضوع افلاطون في كتابه “موسوعة الفلسفة”. اما الفارابي، فاشار ايها بمصطلح “الافعال الجميلة”.

الاستعمالات في كتاب الجمهورية
ظهرت أول الإشارات للفضيلة في كتاب الجمهورية من خلال المحادثة بين جلوكن و سقراط عند محاولة الإجابة على الأسئلة الصعبة المتعلقة بتعريف العدالة. اذ قال أفلاطون “لا ينبغي أن نقدم كل أشكال الاختلاف والتشابه في الطبيعة، بدلا من ذلك يجب أن نركز على شكل واحد من أشكال التشابه والاختلاف المتعلقة بطرقة معينة من الحياة، وهذا هو شكل الفضيلة. هذا النموذج هو الأساس لفهم جميع الأشكال الأخرى، وهو ما يتيح لنا أن نفهم كل شيء آخر.” من خلال الحوار بين سقراط وجلوكن اتخذ أفلاطون الشمس كمقياس يوضح الأمر اذ انها شكل جيد يسمح لنا أن نرى الأشياء. هنا، وصف أفلاطون كيف ان الشمس تسمح بوضوح رؤية البصر. لكنه ركز انه من المهم جدا التفريق ان الشمس ليست هي البصر وإنما الشمس هي مسبب للبصر. فكما ان الشمس هي سبب وضوح البصر، الفضيلة هي سبب وضوح ملكة التفكر. “فالفضيلة توضح حقيقة الامور وتعطي القدرة على ادراك العارف” أو العليم. فالفضيلة ليست سبب المعرفة والحقيقة فقط، بل هي أيضا هدف المعرفة”.

وضّح أفلاطون كيفية عمل الفضيلة لتوضيح المسائل الصعبة مثل مفهوم العدالة. اعترف افلاطون ان المعرفة والحقيقة ضروريتين، لكن: “للفضيلة اهمية قصوة أكثر”. ويشرح مستفيضا: “بان الفضيلة ليست شيئا مكنونا، بل هي اعظم واعلى قيمة وقدرة اذ انها توفر المعرفة والحقيقة”.

نقد الفكرة
واجهة فضيلة أفلاطون العديد من الانتقادات. ففضيلة أفلاطون لا تصف الأشياء الفاضلة الموجودة في العالم المادي، وبالتالي تفتقر إلى الترابط مع الواقع. ولأن شكل الفضيلة الافلطونية تفتقر إلى ادوات تدرب على اتقانها، وعلى طرق ارشادية تسمح لفرد أن يصبح فضيلا، لا يمكن تطبيقها على الأخلاقيات الإنسانية اذ لا يوجد طريقة يمكن اتابعها للوصول إلى الصلاح. يعترف افلاطون ان الفضيلة هي فكرة نظرية مراوغة ولذا يجب قبولها كفرضية بدلا من انتقاد ضعفها. وفقا لسقراط في الجمهوريةالطريقة الوحيدة لقبول اي فرضية هو دحض كل الاعتراضات ضدها. واي شيء خلاف ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية في عملية التأمل.

ربط أرسطو، كما قام غيره من العلماء، شكل الفضيلة كفكرة مرادفة لفكرة الواحد وذلك لاعطائها تطبيقات مادية واقعية فلقد ادعى أفلاطون بأن الفضيلة هي أعلى الاشكال، وبأن جميع الكائنات تطمح إلى أن تصبح فاضلة جيدة. وبما ان أفلاطون لا يعرّف ماهية الأشياء الفاضلة، يصبح ربط الفضيلة الأفلاطونية بفكرة الواحد يسهل للعلماء شرح كيفية ربط الفضيلة بالعالم المادي. وفقا لهذه الفلسفة، فانتماء اي كائن وجودي للفضيلة يجب أن تكون واحدة وان تكون سليمة الانسجام والتجانس لتكون في شكل سليم.

رفض الفيلسوف رافائيل فيربير فكرة أرسطو القائلة بأن “الفضيلة” هي “الواحد” و كتب بأن لشكل الفضيلة تناقض ذاتي. واضاف فيربير أنه يمكن تعريف فضيلة أفلاطون وبنفس الوقت غير محددة اي ان تكون في حالة من “الوجود” و “عدم الوجود”.

تأثير مبدء شكل الفضيلة الافلاطونية
تتخلل كتابات أفلاطون حول الفضيلة والعدالة خلال التراث الفلسفي الغربي. تأثرت مباديء أفلوطين، مؤسس الأفلاطونية الحديثة ، بافكار الفضيلة بشكل كبير. فالـ ‘واحد’، بالنسبة له، مساوي ‘للفضيلة’ لأنه يصف، في نهاية المطاف، الوجودية الحقة. فالـ ‘واحد’ هو، بنفس الوقت، ‘مسبب لنفسه وسبب كل شيء آخر في الكون’. وشرح أفلوطين فكرته بمقارنة الـ ‘واحد’ كنور وضاح تماما مثلما فعل أفلاطون مع شكل الفضيلة. وبسبب شيوع المدرسة الأفلاطونية الحديثة، اصبح عامل مهم في تفسير الفلسفة الأفلاطونية حتى القرن ال19. ونظر علماء اللاهوتية الاوائل من المسيحيين والمسلمين واليهودي إلى الأفكار الأفلاطونية من خلال عدسة أفلاطون.

وفسر الفارابي، من الفلاسفة المسلمين الاوائل الفضيلة في كتابه: “الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطو طاليس الطبيعي” مستعملا مصطلح “الافعال الجميلة”:

شكل الفضيلة والسعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائماً أبداً، إلا أن رتبتها تكون دون رتبة العقل الفعال، وإنما تبلغ ذلك بأفعال إرادية، بعضها أفعال فكرية وبعضها أفعال بدنية، وليست بأي أفعال اتفقت، بل بأفعال محدودة مقدرة تحصل عن هيئات ما وملكات ما مقدرة محدودة. وذلك أن من الأفعال الإرادية ما يعوق عن السعادة، والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلاً ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر؛ وليس وراءها شيء آخر أعظم منها يمكن أن يناله الإنسان. والأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة. والهيئات والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل؛ وهذه ليست خيراً لذاتها، بل لما تجلب من سعادة. والأفعال التي تعوق عن السعادة هي الشرور والأفعال القبيحة. والهيئات والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس

تأويلات مجازية عند أفلاطون

اعتقد العديد من مترجمي أعمال أفلاطون أن كتاباته تتضمن مقاطع ذات معنيين، تُدعى «المجازات» أو «الرموز»، تُضفي على الحوارات طبقات من المعاني الرمزية بالإضافة إلى معناها الحرفي المعتاد. بقيت هذه التأويلات المجازية لأفلاطون مهيمنة لأكثر من 150 سنة، منذ حوالي القرن الأول الميلادي وحتى عصر النهضة وامتدت حتى القرن التاسع عشر، وأيدتها شخصيات مهمة مثل أفلوطين، وبرقلس، ومارسيليو فيسينو. بدءًا من فيلون السكندري، أثرت وجهات النظر هذه على تأويلات اليهود، والمسيحيين، والمسلمين لكتبهم المقدسة. انتشرت على نطاق واسع في عصر النهضة وساهمت في نشر المجازية بين شعراء مثل دانتي أليغييري، وإدموند سبنسر، ووليم شكسبير.

في بداية الفترة الحديثة، رفض العلم الكلاسيكي الادعاءات بكون أفلاطون رمزيًا. بعد هذا الانقسام، أُطلق على اتباع أفلاطون ممن قرأوا الحوارات باعتبارها مجازات مؤكَّدة اسم «الأفلاطونيين الحديثين»، واعتُبروا منحرفين. عقب نشر المقال الرائد لمؤسسة التيت عام 1929 بعنوان «أفلاطون والتأويلات الرمزية»، بدأ العلماء بدراسة النهج الرمزي لأفلاطون نفسه كخلفية أساسية لدراسات أفلاطون وكحدث مهم في تاريخ الفلسفة، والنقد الأدبي، والتأويل، والرمزية الأدبية. رفض المؤرخون أي انقسام بسيط بين الأفلاطونية واللا أفلاطونية، وأصبح التقليد الذي يتضمن قراءة أفلاطون بشكل مجازي مجالًا للأبحاث النشطة الآن.

تطورت تعريفات كل من «المجازية»، و«الرمزية»، و«المعنى المجازي» مع الزمن. أصبحت كلمة «المجازية» (وتعني باليونانية “المعنى الآخر”) أكثر تكررًا في القرون الميلادية الأولى وكانت تشير إلى اللغة التي تحمل معنى آخر بالإضافة إلى معناها الاعتيادي أو الحرفي. سابقًا في أثينا الكلاسيكية، بدلًا من استخدام المجاز، كان من الشائع استخدام «المعنى الضمني» الذي يشير إلى معاني مخفية أو عميقة. تُعتبر المجازية اليوم سلسلة مؤكَّدة من الاستعارات في العمل الأدبي، لكن من الواضح أن التعريف القديم مختلف، لأنه كان من الممكن حينئذ أن يكون مقطع واحد أو حتى اسم ما مجازيًا. بشكل عام، يجب دراسة المعاني المتغيرة لهذه المصطلحات ضمن كل سياق تاريخي على حدة.

المجازية في حوارات أفلاطون
دخل أفلاطون في شبابه في جدالات مع أناكساغوراس وسقراط حول إذا ما احتوت قصائد هومر على مجاز. يشير أفلاطون إلى هذه الجدالات، وجعل المجازات وطبيعتها موضوعًا بارزًا في حواراته. يستخدم تقنيات مجازية عديدة ويلفت الانتباه إليها بوضوح. على سبيل المثال، في كتاب كهف أفلاطون، يروي أفلاطون حكاية رمزية ويفسر عناصراها واحدًا تلو الآخر. أما في كتاب فيدروس، ينتقد سقراط أولئك الذين يضعون تفسيرات منطقية ومجازية للأساطير. لطالما نُوقشت وجهات نظر أفلاطون حول التفسيرات المجازية و«المجازات». استنتج فورد أن:

يعتبر أفلاطون المجاز طريقة غير مؤكدة وخطيرة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، لكنه لا ينكر أبدًا إمكانية استخدامه بطريقة أكثر فلسفية. تكون أسباب الرفض في أحد مقاطع كتاب الجمهورية (378) تعليمية واجتماعية وليست دينية أو منهجية….يتركز قلق أفلاطون على وسائل نشر التفسيرات البارعة، وليس على المنهج نفسه.

تُعتبر نظرية المثل (أو الأفكار) جوهر فلسفة أفلاطون، ووجد العديد من المؤلفين تبريرًا لاستخدام الرمزية الأدبية في النظرية الميتافيزيقية. على سبيل المثال، كتب فليتشر:

لنظرية الأفكار الأفلاطونية جانبين قادا إلى التفسيرات المجازية للدلالات والأشياء… يُعتبر الحديث عن «فكرة شيء ما» طلبًا للعملية المجازية، لأن الفكرة تتجاوز الشيء نفسه، كما يبتعد خيال مستخدم المجاز عن المعنى الحرفي للكلام… والأهم من ذلك هو الترتيب الأفلاطوني لنظرية الأفكار على شكل بنية هرمية واسعة، من الأشكال الدنيا إلى الأشكال العليا… عن طريق التشكيك في القيمة الأساسية للطبيعة المادية، تفتح الجدلية الأفلاطونية الطريق باتجاه إضفاء الطابع الروحاني على الطبيعة، ويؤدي هذا في حالة أفلاطون إلى استخدام المجاز في هذه اللحظة بالضبط من حواراته عندما يصل تحليل الطبيعة إلى أعلى مراحل السمو التي يمكن وصفها في المصطلحات الطبيعية البشرية.

مؤولو أفلاطون الأوائل
يثبت النزاع الشهير حول أسطورة الخلق –والذي أورده أفلاطون في حواره طيماوس- الذي نشب في الأكاديمية الأفلاطونية أن بعض من أتباع أفلاطون الأوائل لم يقرؤوا حواراته حرفيًا، إذ أوّل كل من إسبوزيبوس وزينوقراط وبوليمون أحد المقاطع الرئيسية في حواره طيماوس على نحو تصويري.

لم يتخذ أرسطو موقفًا متناقضًا تجاه المجازيات المعرب عنها في حوارات أفلاطون بعد مغادرته للأكاديمية الأفلاطونية وتأسيسه لمدرسته الخاصة. نظر أرسطو إلى الأساطير اليونانية القديمة مثلًا باعتبارها تعابير مجازية للحقائق الفلسفية:

انتقل ميراث من أعرق الأزمنة إلى الأزمنة اللاحقة على شكل أسطورة تقول إن هناك آلهة وإن القدسية محيطة بالطبيعة ككل. أُعرب عن بقية [القصص العريقة] على نحو أسطوري، فهذا مناسب لإقناع الأشخاص غير المتعلمين … قالوا إن للآلهة أشكال بشرية ومشابهة لحيوانات أخرى … إن جرى تناول [الادعاء] الأول المتمثل بأنهم ينظرون إلى الآلهة باعتبارها حقائق أساسية بمعزل [عن القصص الأسطورية]، فقد قالوا الحقيقة الملهمة بلا شك …

(ميت. 1074 إيه. 38 – بي. 13).

وفي المقابل، أوّل أرسطو مقاطع من حوارات أفلاطون حرفيًا عندما ناقشها. اعتُبرت كتابات أرسطو معاديةً للفيثاغورية خصوصًا وللكلمات المبهمة في الخطابات العامة عمومًا. تبيّن أن طلاب أفلاطون المقربين عادةَ ما يقرأون حواراته حرفيًا، أو أن أرسطو بحد ذاته لم يبدأ في الفصل الفيثاغوري، وبالتالي فوّت التعابير المجازية التي انتبه القراء إلى وجودها في الحوارات لاحقًا.

بلغ الاهتمام الحثيث بفلسفة أفلاطون ذروته في القرنين التاليين لوفاته في عام 347 قبل الميلاد، لكن لم يتبق سوى القليل من الأدلة على هذه الجهود اليقظة التي بذلها أتباعه الأوائل بغية تأويل حواراته (لا تدّعي هذه التأويلات أنها بديل عن آراء أفلاطون الخاصة بكل تأكيد). اهتمت الأجيال الأولى من «العقائديين» الذين خلفوا أفلاطون في أكاديميته بمبادئ أفلاطون وحججه وقضاياه عمومًا، لكنهم لم يولوا اهتمامًا للقراءات التفصيلية للنصوص الأفلاطونية. يبدو وكأنه لم تُكتب أي تعليقات حول حوارات أفلاطون في الأكاديمية الأفلاطونية حتى مجيء كرانتور (تُوفي في عام 290 قبل الميلاد تقريبًا). خلف «الشكوكيون» الدوغماتيين، إذ أوّلوا الحوارات باعتبارها تأكيدًا على الجهل السقراطي. يشير دوري إلى أن الفكرة المتمثلة في البدء بالتأويل الشامل لنصوص أفلاطون لم تكن قد ظهرت بعد:

لم يُطرح السؤال التأويلي [حول كيفية تفسير نصوص أفلاطون] بعد … سيبدو أن المطلب المتمثل بأن التأويل ينبغي أن يكون مختلفًا عن التقييم لكلية النص واضحًا وعاديًا حتى. وعلى الرغم من ذلك، اعتُرف بهذا المطلب لأول مرة في علم فقه اللغة الحديث، إذ اعتُبر هذا المطلب مقبولًا لجيلين أو ثلاثة على أكثر تقدير…

التحول المجازي: الفيثاغورية الجديدة
امتد الاهتمام بأفلاطون من أثينا وصولًا إلى الإسكندرية وغيرها من المدن الواقعة على البحر المتوسط، إذ شهد هذا الاهتمام تحولًا من المبادئ التي تبنتها الأكاديمية نحو القراءة المباشرة للحوارات بحد ذاتها. أصبح النهج المجازي في قراءة النصوص الأفلاطونية معيارًا متبعًا بدءًا من تلك الفترة فصاعدًا. تزامن هذا التحول التاريخي مع عودة الاهتمام بالفيثاغورية في القرن الأول قبل الميلاد. شرع الفيثاغوريين الجدد مثل نومينيوس في الادعاء بأن المبادئ الفيثاغورية مُتضمنة في الحوارات الأفلاطونية بشكل رمزي. أطلق نومينيوس على أحد أعماله عنوان حول الخلاف بين الأكاديميين وأفلاطون، بينما أطلق على عمل آخر عنوان المبادئ الأفلاطونية المحفوظة. لخص تارانت وجهات نظر الفيثاغوريين الجدد، إذ صرح بأنهن يعتقدون:

… أن المبادئ الفيثاغورية مُتضمنة في أعمال أفلاطون، الذي كان مترددًا في الكشف عنها لسبب أو لآخر، وأنه يُمكن استخراج المبادئ الفيثاغورية الحقيقية من النصوص الأفلاطونية من خلال التأويل المستفيض … يمكننا القول إن هناك أمورًا باطنيةً يجري الكشف عنها دومًا في النصوص الأفلاطونية، فهي تخفي تفاصيل مزعومة حول الميتافيزيقيا الفيثاغورية التي يفترض الفيثاغوريين –باعتبار الأمر على ارتباط وثيق بالإيمان- وجودها هناك.

يُنظر إلى الأفلاطونية الوسطى أحيانًا على أنها بعيدة عن التأويل المجازي، لكن وجد استطلاع ديلون «استمراريةً نسبيةً» لدى الأفلاطونيين الجدد اللاحقين: «شهدت الفترة الأخيرة من الحقبة الأفلاطونية الوسطى –على أقل تقدير- تطورًا في التفسير، الأمر الذي مهد الطريق للتأويلات المجازية للأفلاطونيين الجدد إلى حد ما». تشير الأدلة إلى انتشار نسب المعاني الخفية لأفلاطون في أوساط الأفلاطونيين الأوسطين. على سبيل المثال، كان فلوطرخس (وُلد في عام 45 وتُوفي في عام 125 تقريبًا) كاهنًا للألغاز الإليزية وربما خليفةً أفلاطونيًا.

هيمنة الأفلاطونية المجازية: الأفلاطونية الجديدة عدل
أطلق المؤرخون الحديثون على أتباع أفلاطون في القرون الميلادية الأولى لقب «الأفلاطونيون الجدد». اتسم هؤلاء الافلاطونيون بكونهم أهم وأقوى المدافعين عن التأويلات المجازية لأفلاطون. تكلم أفلوطين –الذي يُعتبر مؤسس الأفلاطونية الجديدة- أكثر من مرة عن تضمن حوارات أفلاطون لـ«معاني خفية» (هايبونواي). يُعتبر القسم الخامس من المجموعة الثالثة في كتابه التاسوعات بمثابة تأويل مجازي مستفيض لمقاطع من النص الأفلاطوني الندوة