تعتبر حقبة الكساد الكبير (Great Depression) التي بدأت عام 1929 أشد أزمة اقتصادية شهدها التاريخ الحديث، حيث لم تكن مجرد تراجع مالي عابر، بل كانت زلزالاً غيّر وجه السياسة والاقتصاد والاجتماع في العالم أجمع.
1. الشرارة الأولى: انهيار بورصة “وول ستريت”
بدأت الأزمة بما يعرف بـ “الخميس الأسود” (24 أكتوبر 1929)، وتفاقمت في “الثلاثاء الأسود” (29 أكتوبر). في ذلك اليوم، انهار سوق الأسهم الأمريكي بشكل مرعب، حيث فقدت الأسهم قيمتها تماماً في غضون ساعات، مما أدى إلى تبخر مليارات الدولارات من ثروات المستثمرين.
أسباب الانهيار المفاجئ:
* المضاربات المحمومة: كان الناس يشترون الأسهم بأموال مقترضة (الهامش)، معتقدين أن الأسعار سترتفع للأبد.
* الإنتاج الفائض: كانت المصانع تنتج سلعاً أكثر مما يستطيع المستهلكون شراؤه.
* الأزمة الزراعية: عانى المزارعون من انخفاض حاد في أسعار المحاصيل قبل سنوات من الانهيار.

2. مسببات تعمّق الأزمة (لماذا استمرت عشر سنوات؟)
لم يكن انهيار البورصة هو السبب الوحيد، بل تجمعت عوامل أخرى جعلت الأزمة عالمية ومستمرة:
* ذعر البنوك (Bank Runs): تدافع المودعون لسحب أموالهم، مما أدى لإفلاس آلاف البنوك وضياع مدخرات العمر لملايين الأسر.
* السياسات الحمائية: قامت الدول برفع الرسوم الجمركية (مثل قانون سموت-هاولي في أمريكا) لحماية منتجاتها، مما أدى لتوقف التجارة العالمية بنسبة 60%.
* الجفاف (قصعة الغبار): ضرب جفاف شديد السهول الوسطى في أمريكا، مما دمر الزراعة وهجّر آلاف العائلات.
3. الآثار الاقتصادية والاجتماعية
وصلت الأزمة إلى ذروتها عام 1933، وكانت الأرقام صادمة وهنالك اربع مؤشرات وقياس نتائجها وتأثيرها :
| المؤشر للقياس|من حيث التأثير الناتج عن الازمة |
| البطالة | وصلت إلى 25% في الولايات المتحدة (حوالي 13-15 مليون شخص). |
| الناتج المحلي| انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة تقارب 15%. |
| التجارة الدولية | انخفضت بنسبة الثلثين تقريبًا. |
|الحياة الاجتماعية|انتشرت “مدن الصفيح” (Hoovervilles) وزادت معدلات الانتحار وسوء التغذية. |
4. الحل: “العهد الجديد” (New Deal)
في عام 1932، انتُخب فرنكلين روزفلت رئيساً للولايات المتحدة، وطرح خطته الشهيرة لإخراج البلاد من القاع، والتي اعتمدت على ثلاث ركائز (The 3 Rs):
* الإغاثة (Relief): تقديم مساعدات فورية للفقراء والعاطلين.
* التعافي (Recovery): ضخ الأموال في مشروعات البناء والبنية التحتية لخلق فرص عمل.
* الإصلاح (Reform): وضع قوانين صارمة للبنوك والبورصة لمنع تكرار الكارثة (مثل قانون غلاس-ستيغال).
5. كيف انتهى الكساد الكبير؟
رغم تحسن الأوضاع بفضل “العهد الجديد”، إلا أن الاقتصاد لم يتعافَ تماماً إلا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939). أدى الانتقال إلى “اقتصاد الحرب” وتعبئة الملايين في الجيش والمصانع الحربية إلى القضاء النهائي على البطالة وتحفيز الإنتاج الصناعي لمستويات غير مسبوقة.
خلاصة القول: علّم الكساد الكبير العالم أن الأسواق لا تستطيع دائماً تنظيم نفسها بنفسها، وأسس لمفهوم تدخل الدولة في الاقتصاد لضمان الاستقرار الاجتماعي.
