شهدت الأسواق العالمية بالأمس، الأربعاء 11 مارس 2026، حالة من التذبذب الحاد والنشاط الاستثنائي مدفوعة بالتطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع في إيران وتأثيره المباشر على ممر الطاقة الحيوي في مضيق هرمز. اتسم أداء السلع بمزيج من المكاسب القياسية في قطاع الطاقة مقابل ضغوط بيعية وتصحيحات في قطاع المعادن، وفيما يلي تفصيل لحركة هذه الأسواق:
قطاع الطاقة: قفزات سعرية تحت وطأة المخاطر الجيوسياسية
تصدر النفط المشهد العالمي بعد أن قفزت أسعاره بنحو 5% خلال تداولات الأمس، حيث تجاوز خام “برنت” حاجز 92 دولاراً للبرميل، بينما استقر خام غرب تكساس الوسيط فوق مستويات 88 دولاراً. جاءت هذه الارتفاعات رغم الإعلان التاريخي من وكالة الطاقة الدولية عن أضخم سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية بواقع 400 مليون برميل، إلا أن مخاوف السوق من توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز واستمرار استهداف سفن الشحن تفوقت على تأثير ضخ هذه الاحتياطيات.
أما الغاز الطبيعي، فقد سجل هو الآخر مكاسب ملحوظة متأثراً بتوقف شحنات الغاز المسال من بعض المنتجين الإقليميين، حيث استقر السعر عند مستويات 3.23 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وبالرغم من أن التوقعات الجوية تشير إلى طقس أقل برودة مما قد يحد من الطلب على التدفئة، إلا أن علاوة المخاطر الجيوسياسية لا تزال المحرك الأساسي للسعر.

الذهب والفضة: الملاذات الآمنة بين التحوط والتصحيح
الذهب في سوق المعادن النفيسة، شهد الذهب تراجعاً طفيفاً بالأمس بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية، حيث جرى تداوله حول مستويات 5185 دولاراً للأونصة. هذا التراجع وصفه المحللون بأنه “جني أرباح” وتصحيح فني طبيعي بعد وصول المعدن الأصفر إلى مستويات تاريخية في الأسابيع الماضية، خاصة مع ترقب المستثمرين لبيانات التضخم الأمريكية التي تُعد المؤشر الرئيسي لتوجهات الفيدرالي الأمريكي القادمة.
أما الفضة، فقد كانت الأكثر تأثراً بالتقلبات، حيث سجلت تراجعاً بنسبة قاربت 3% لتستقر دون مستوى 85 دولاراً للأوقية. ويعود هذا الهبوط إلى الارتباط الوثيق للفضة بالنشاط الصناعي الذي يواجه مخاوف من التباطؤ، بالإضافة إلى فك بعض المراكز الشرائية للمستثمرين بهدف توفير السيولة لمواجهة تقلبات أسواق الأسهم.
النحاس: ضغوط الطلب الصناعي
سجل النحاس، الذي يُعتبر مؤشراً لصحة الاقتصاد العالمي، انخفاضاً بنحو 1% بالأمس ليحوم حول مستوى 5.86 دولار للرطل. ورغم الطلب الهيكلي القوي على النحاس نتيجة مشاريع التحول الطاقي والذكاء الاصطناعي، إلا أن التوترات الجيوسياسية الراهنة أثارت مخاوف من تعطل سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو الصناعي العالمي، مما دفع الأسعار إلى التراجع مؤقتاً تحت ضغط بيعي فني.
الخلاصة
تعكس تحركات الأمس انقساماً واضحاً في شهية المخاطر؛ حيث تدفقت الأموال نحو النفط كأصل استراتيجي مهدد بالانقطاع، بينما خضعت المعادن (الذهب، الفضة، والنحاس) لعمليات إعادة تموضع وتصحيح سعري في ظل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار النسبي، مما جعل المستثمرين يعيدون تقييم محافظهم بانتظار وضوح الرؤية بشأن النزاع القائم وتداعياته الاقتصادية طويلة الأمد.
