شهدت أسواق السلع العالمية في تعاملات الأمس، الثلاثاء 10 مارس 2026، تحولات دراماتيكية قادتها التطورات الجيوسياسية المتلاحقة في منطقة الخليج العربي، وتحديداً مع ظهور بوادر تهدئة في الصراع الدائر هناك، مما أدى إلى إعادة رسم خريطة الأسعار بشكل مفاجئ بعد موجة من الارتفاعات القياسية.
قطاع الطاقة: انكسار موجة الصعود الحاد
سجلت أسعار النفط تراجعاً حاداً بالأمس بنسبة تجاوزت 10% في بعض فترات التداول، حيث هبط خام برنت إلى مستويات 89 دولاراً للبرميل بعد أن كان قد لامس قمة 119 دولاراً في وقت سابق من الأسبوع. جاء هذا الهبوط مدفوعاً بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى احتمال نهاية وشيكة للعمليات العسكرية مع إيران، مما قلص “علاوة المخاطر” التي كانت تدفع الأسعار للأعلى نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
وفي المقابل، أظهر الغاز الطبيعي تماسكاً نسبياً مع ميل للارتفاع بنحو 5.5%، متأثراً باستمرار القلق بشأن البنية التحتية للطاقة في المنطقة رغم إشارات التهدئة السياسية.

المعادن الثمينة: الذهب والفضة يستعيدان بريقهما
في حين تراجع النفط، استغل الذهب ضعف الدولار الأمريكي ليعوض خسائره السابقة، حيث ارتفع السعر الفوري للمعدن الأصفر بنسبة 1.7% ليصل إلى مستويات تقارب 5226 دولاراً للأونصة. ويرى المحللون أن هذا الصعود يعكس استمرار التحوط ضد التضخم، خاصة مع تزايد التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه القادم بدلاً من رفعها، نظراً لاستقرار أسعار الطاقة النسبي.
أما الفضة، فقد سجلت أداءً قوياً هي الأخرى بارتفاع بلغت نسبته 2.7% لتستقر قرب 89 دولاراً للأونصة. وتستفيد الفضة حالياً من زخم مزدوج؛ الأول كونه ملاذاً آمناً يتبع خطى الذهب، والثاني نتيجة الطلب الصناعي المتزايد الذي يعزز من قيمتها في ظل التوقعات باستمرار “الدورة الاقتصادية الجديدة” للمعادن.
النحاس: صمود رغم تقلبات سلاسل التوريد
أظهر النحاس، الذي يُلقب بـ “مؤشر الاقتصاد العالمي”، حالة من الصمود بالأمس مع ارتفاع طفيف بنسبة 1.7%. وتتأثر أسعار النحاس بشكل مباشر بالاضطرابات في مضيق هرمز، ليس فقط بسبب النقل، بل لصعوبة استيراد المواد الخام اللازمة للتعدين (مثل الكبريت) لمنتجين رئيسيين في أفريقيا. وبالرغم من ضعف الطلب الصيني مؤخراً، إلا أن العجز العالمي المتوقع في المعروض لعام 2026 لا يزال يشكل أرضية صلبة تمنع الأسعار من الانهيار.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
تتحرك الأسواق حالياً في بيئة شديدة الحساسية للأنباء السياسية. فبينما يترقب المستثمرون التأكيد الفعلي لانتهاء الصراع في الشرق الأوسط، تظل أسعار السلع معلقة بين “سيناريو التهدئة” الذي قد يهبط بالنفط إلى مستويات 80 دولاراً، وبين “سيناريو التصعيد” الذي قد يعيد الذهب والنفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
