لا تمزح مع العميل: عندما كادت شركة كوكاكولا على وشك الإنهيار المحقق
في منتصف الثمانينيات، ارتكبت شركة كوكاكولا خطأ قاتلاً كاد ان يتسبب لها في انهيار محقق، لولا استجابتها للتغذية الراجعة العكسية.

في عالم الأعمال، العميل ومتطلباته واتجاهاته هو الذي يخلق السوق، وبالتالي العميل دائماً يأتي في المرتبة الأولى. لذلك، فإن مفهوم ” التغذية الراجعة Feedback ” يعتبر هو الأساس الأول الذي تبني عليه الشركات والمؤسسات – مهما كان حجمها – اتجاهاتها الجديدة، لتستطيع مواكبة رغبات العملاء وأذواقهم ومتطلّباتهم.

التغذية الراجعة تعني باختصار مجموعة المعلومات والبيانات التي يصدرها العملاء – بوسائل مختلفة -، وتعود مرة اخرى الشركة التي تنتج المنتج او الخدمة لدراستها وتحليلها، معرفة ماذا اثار اعجاب العميل، وما الذي اثار استياؤه، وما الذي يراه ناقصاً في المنتج او الخدمة التي يستخدمها.

وبالتالي، تستطيع المؤسسات من خلال هذه المعلومات تعديل اتجاهاتها وآداءها للوصول الى درجة آداء افضل، تساعدها على البقاء والتوسّع في السوق.

وبالتأكيد، هناك الكثير من الامثلة التي يمكن أن تتناول مفهوم ” التغذية الراجعة “، إلا أن نموذج شركة كوكاكولا تحديداً يعتبر من أفضل النماذج التي توضحّ هذا المفهوم بأجلى صوره.

المنافسة تجعلك تنسى أولوية العميل
أحياناً يتسبب اشتداد المنافسـة في عمل أشياء جنونية. الرغبة الدائمة في التفوّق على منافسك الرئيس بتحفيز مستوى الإبداع لديك، وخلق تصوّرات خيالية واسعـة انك اذا قمت بتطوير هذا المنتج أو طرح خدمة جديدة، فإن هذا سيؤدي الى استحواذك على السوق وتوجيه ضـربة عنيفة لخصمك.

ولكن عندما تتحول هذه الفانتازيا من افكـار الى واقع ، تكتشف أن حماسك لإزاحة خصمك قد يتسبب في إنهيارك أنت، وفتح مساحات جديدة لخصمك للإستحواذ عليها.

في الثمانينيات ، كانت حرب ” الكـولا ” في اقصى مراحل اشتعالها بين القطبين الكبيرين ” كوكاكولا ” و ” بيبسي “، وكانت الحملات الإعلانية المتبادلة التي تروّج لمزايا كل منتج وتلمّح لمساوئ المنتج المنافس على أشدها، فضلاً عن التطويرات التي تقوم بها الشركتين لتحسين مذاق المشروب لاستقطاب زبائن الشركة المنافسة.

في تلك الفترة، قررت شركة ” كوكاكولا ” مدفوعة بحماس المنافسة أن تطرح منتجاً جديداً كلياً لمشروبها الأساسي إحتفالاً بمرور 100 عام على تأسيس الشركة ، تحت إسم ” الكولا الجديد New Coke ” يحتوي على تركيبة مختلفة لمشروب الكولا التي استمرت الشركة على انتاجه بحوالي قرن كامل من الزمن.

المشروب الجديد مذاقه أكثر سكّـرية ومذاق مختلف عن مذاق المشروب السابق، قامت الشركة بإنفاق ميزانية كبيـرة على تركيبته الجديدة للتأكد أن المشروب الجديد أفضل من مشروبها المعتاد.

بل وقامت أيضاً بتغيير العلامة التجارية للشركة من ” كوكاكولا Coca Cola” الى ” كــوك Coke “.

الاستجابة للتغذية الراجعة هو السبيل الوحيد للبقاء في السوق
النتيجة كانت صفعــة مدوّية للشركة العريقة. آلاف الانتقادات انهالت على الشركة تعلن عن رفضها للمشروب الجديد وأن مذاق المشروب الجديد الذي فرضته شركة كوكاكولا على زبائنها سيء للغاية ولا يراعي اذواقهم.

في نفس الوقت استغلت شركة بيبسي Pepsi هذه الحالة ، وقامت بإصدار حملة اعلانية تلفزيـونية ممولة من بيبسي أطلق عليها اسم ” الإختبار ” تظهـر مجموعة من الاشخاص يتذوقون المشروبين ، ثم يمتدحــون مشروب بيبسي وينتقدون مشروب كولا الجديد !

اقرأ أيضاً: خطأ بيبسيكو في الثمانينات: عندما تصدر منتجات حمقاء لا يريدها أحد!

خلال 3 شهور فقط ، وصل لشركة كوكاكولا أكثر من 400 ألف شكوى، وانخفضت مبيعاتها بشكل هائل بينما ارتفعت مبيعات بيبسي الى السماء بشكل صاروخي.

لكن ، ومع هذه الأزمة المتفاقمة تراجعت شركة كوكاكولا عن كافة الاجراءات التي اتخذتها بخصوص ” منتجها الإبداعي الجديد ” ، وارسلت اعتذارات الى الربعمائة ألف مستهلك الذين أرسلوا الشكـوى ، وتعهدت بإصلاح الامر سريعاً.

وخلال زمن قياسي، قامت الشركة سريعاً بإعادة تشغيل مصانعها لإنتاج مشروبها الكلاسيكي القديمة وأرسلته الى كافة المتاجر حول الولايات المتحدة، في الوقت الذي اعلنت فيه السحب التدريجي للمشروب الجديد الذي اثار ضيق المستهلكين من الأسوق ، حتى اختفى اثره تماماً.

اليوم يظل مشروب الكوكاكولا هو قمة المشروبات الغازية في السوق الأميـركي على الرغم من المنافسة الشرسة مع بيبسي وعلى الرغم من الخطأ القاتل التي ارتكبته كوكاكولا في الثمانينيات وكادت تدفع ثمنه غالياً إلا ان تدارك الشركة لخطأها اعادها لمكانتها القديمة.

ومازالت المعركة دائرة بين الشركتين ليس فقط في تحسين مذاق المشروبين التاريخيين ، وإنما ايضاً في الدخول الى ساحات مشروبات جديدة ، تركز على تقليل السعرات الحرارية مع الاحتفاظ بالمذاق المرضي لعملاء كلا الشركتين.

الدرس المُستفاد:
عندما تطرح مُنتجاً او خدمة، فالأصل فيهما انك تراكب عن كثب رد فعل العميل، ومستوى استجابة السوق لمنتجك او خدمتك، ومن ثم دراسته واعادة تعديل مسارك.

أما السير في طريق العناد، السوق يريد شيئاً وانت تريد شيئاً آخر، فسيجعلك تسير الى طريق الصحراء حيث لا يوجد أحد يريد منتجك او خدمتك، مهما كانا رائعين. ولكنهما يظلان رائعين ” من وجهة نظرك أنت “.

التغذية الراجعة، أهم آداة تملكها في طريق تحسين علامتك التجارية وبقاءها في السوق، وانتشارها بشكل اوسع لاحقاً.