الاقتصاد العالمي وإرهاصات كساد جديد
بعد الحرب العالمية الأولى، مر الاقتصاد العالمي بما عُرف بأزمة الكساد الكبير، وعرف تحدياً بنهاية عشرينيات القرن العشرين، وإن كان سبب أزمة الكساد الكبير (1929)، يرجع إلى خطأ في تفسير علمي، كان مرده إلى قانون “ساي” الذين كان يرى أن العرض يخلق الطلب.

شهدت أسعار المحروقات ارتفاعاً في أسعارها على إثر حزمة العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي

ما أدى إلى وجود منتجات لا تحتاج إليها الأسواق، ولا تلبي احتياجات الطلب، ولم يجد الاقتصاد العالمي مخرجاً من أزمته آنذاك، سوى نظرية كينز التي دعت الدولة للتدخل في الكثير من مجالات الاقتصاد لتنشيط الطلب الفعال.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فعوامل عدة يمر بها الاقتصاد العالمي، وإن كانت أسبابها مختلفة عن أزمة الكساد الكبير في العشرينيات، فاليوم أتت أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، لتضع الجميع أمام سيناريوهات مبهمة، من الصعب التنبؤ في ظل استمرارها، بمستقبل الاقتصاد العالمي.

ولا شك في أن أزمتي الغذاء والطاقة على مستوى العالم، ساعدتا على تصاعد معدلات التضخم، بشكل كبير، مَثّل عقبة في الدول النامية والمتقدمة على السواء، فأمريكا تعاني معدل تضخم يصل إلى 8.5%، وفي منطقة اليورو يصل معدل التضخم إلى 7.5%، وهي معدلات غير مسبوقة على مدار العقود الأربعة الماضية.

تراجع التعافي العالمي

حسب تقديرات صندوق النقد الدولي في أبريل 2022، فإن أداء معدل النمو الاقتصادي العالمي، سوف يتراجع عما كان متوقعاً في يناير 2022، إذ ذهب تقرير صندوق النقد الدولي إلى توقعات بأن يكون معدل النمو الاقتصادي العالمي عند 3.6% في عامَي 2022 و2023، بعد أن كانت تقديراته في يناير 2022 عند معدلات 6.1%.

كما ذهبت تقديرات صندوق النقد الدولي إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي في الدول الأوروبية إلى 3.8% بنهاية 2022، بعد أن كانت 5.2% عام 2021، وكذلك الحال في الدول الصاعدة والنامية، فيتوقع الصندوق تراجع معدلات النمو بها إلى 3.8%، بعد أن كانت 6.8% عام 2021.

ورجع صندوق النقد الدولي نظرته التشاؤمية بانحسار معدل النمو إلى عدة أمور، منها أن الاقتصاد العالمي لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي التام من أزمة فيروس كورونا، كما أن أزمتي الغذاء والطاقة المستمرتين منذ عام 2021، تلقيان بظلالهما السلبية على معدلات التضخم بشكل عام في جميع الدول -باستثناء الدول المصدرة للمواد الأولية التي ترتفع أسعارها، وعلى رأسها الدول النفطية- ثم أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، التي تساعد بشكل كبير على تفاقم أزمتي الغذاء والطاقة من جهة، ومن جهة أخرى إشعال أزمة التضخم.

الصين على خطى التراجع

أظهرت البيانات المنشورة عن أداء الاقتصاد الصيني، أن الحكومة الصينية خفضت مؤخراً تقديراتها لمعدلات النمو الاقتصادي الخاصة بها، إلى 5.5%، بعد أن حققت 8.1% عام 2021.

وتعود التقديرات الخاصة بتراجع معدل النمو الاقتصادي في الصين، إلى وضع داخلي يتعلق مرة أخرى بمخاطر انتشار فيروس كورونا في بعض المقاطعات الكبرى، ومن بينها شنغهاي، بما أدى إلى الإغلاق الكامل لتلك المدن، ومطالبة المنشآت الاقتصادية بالعمل من بُعد، في ظل توجه حكومة الصين إلى معدل “صفر كوفيد”.

والمعلوم أن تراجع أداء الاقتصاد الصيني، يعني تراجع إمداد الاقتصاد العالمي بالعديد من السلع والخدمات التي تميزت بها الصين على مدار العقود الماضية، من خلال قدرتها على تقديم كميات كبيرة من سلع ضرورية، بعضها يتعلق بالعُدد والآلات، أو مستلزمات الإنتاج، أو السلع تامة الصنع.

أما العوامل الخارجية، التي تؤثر في احتمالات تراجع معدل النمو الاقتصادي في الصين، فتتمثل في موجة التضخم التي تضرب الاقتصاد العالمي، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية، التي تعتمد عليها الصين بشكل كبير، في تقديم منتجاتها للعالم، والصين تُعد أكبر مستورد للمواد الأولية في العالم، كما أنها المصدّر الأول على مستوى العالم، وذلك حسب أرقام وبيانات البنك الدولي، التي تظهر أن الواردات السلعية للصين بلغت 2.05 تريليون دولار عام 2020، فيما بلغت الصادرات السلعية للصين في نفس العام 2.59 تريليون دولار.

إرهاصات الكساد الكبير المنتظر

لكل شيء مقدمات، ولكن الشواهد التي نراها في أداء الاقتصادات المختلفة، تُنبئ بأن القادم أسوأ، إذ تحمل إلينا وسائل الإعلام أنباءً عن تراجع استهلاك العديد من القطاعات في أمريكا، بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وكذلك إفلاس بعض متاجر السلاسل الكبرى في بريطانيا، وتعرُّض آلاف الموظفين هناك لفقد وظائفهم.

كما أن المؤسسات الاقتصادية في العديد من الدول النامية والصاعدة، تعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج، وكذلك استمرار الظاهرة السلبية، الخاصة بارتفاع تكاليف النقل والشحن، وخدمات التأمين، فضلاً عن اضطرابات السياسة المالية والنقدية في العديد من الدول النامية والصاعدة، بسبب رفع سعر الفائدة في أمريكا.

ويؤدّي تراكم هذا الكم من المشكلات بلا شك إلى تعثُّر العديد من المؤسسات الاقتصادية، وفي حالة استمرار هذه الضغوط، فلن يكون أمام المنشآت الإنتاجية والخدمية سوى الإغلاق، أو العمل بمعدلات أقل مما هي عليه الآن.

وبالتالي سنكون أمام معدلات نمو اقتصادي متراجعة في دول العالم كافةً، باستثناء الدول النفطية، أو الدول المصدرة للمواد الأولية الأخرى، كما ذكر تقرير صندوق النقد الدولي “آفاق الاقتصاد العالمي أبريل 2022”.

ويبقى تطوُّر شبح الحرب الروسية على أوكرانيا، فقد تجاوزت الحرب أكثر من شهرين، ولا يلوح في الأفق تطوُّر حسم، على الصعيد العسكري أو السياسي، وإن امتلكت روسيا بعض أوراق الضغط، وعلى رأسها النفط والغاز الطبيعي، أو صادرات الحبوب، فإن ذلك لن يمكّنها من مواجهة العقوبات الاقتصادية التي تسعى لتكسير عظامها، كما أن روسيا في ظلّ العقوبات، لا يمكنها ممارسة أي دور في تحريك النشاط الاقتصادي العالمي، فضلاً أن تواضع إمكانيات روسيا الاقتصادية في القيام بهذا الدور، وولو كانت في حالة سلم، لا في حالة حرب.

إن تبعات السياسة المالية والنقدية في أمريكا، من شأنها أن تؤدي إلى حالة انكماش في الدول النامية والصاعدة، بسبب هرب الأموال الساخنة، وكذلك تراجع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم، فنسبة كبيرة من المؤسسات المالية سوف تتجه إلى أمريكا، للاستفادة من ارتفاع سعر الفائدة الحالي، المرشح للزيادة خلال الشهور القادمة.

قد يستغرق تحقيق الكساد الكبير فترة طويلة إلى حدّ ما، قد تكون في الأجلين المتوسط والطويل، ولكن قد يتحقق ما يُعرَف بـ”الركود التضخمي” في العديد من الاقتصادات، بانتهاء عام 2022، والركود التضخمي هو تزامن التضخم والبطالة -الناتجة عن تراجع النشاط الاقتصادي- في آن واحد.

لذلك فالمَخرَج من أزمة “الكساد الكبيرة” المنتظرة، يتمثل في الخروج في أسرع وقت ممكن من دائرة الحرب الجهنمية الروسية على أوكرانيا، وعدم اتساع رقعتها، وكذلك العمل على حل أزمتَي الطاقة والغذاء، لأنهما ناتجتان عن تدخُّل في السوق، وتعطيل آليات العرض والطلب، لا بسبب ظروف وأوضاع طبيعية.

ومن المهمّ الإشارة إلى أن الأزمة المنتظَرة ستكون كبيرة، ولن يصلح معها تصرُّف أحادي، كما يشير البعض إلى إمكانية أن تحلّها الصين، ولكن الأمر يتطلب تضافر الجهود على الصعيد العالمي، بما يساعد على إزالة العقبات، وضرورة تدفُّق رؤوس الأموال والسلع بشكل سلس، على الأقل لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أزمة كورونا.