سعياً منه للانتصار في معركة التضخم المستعرة منذ أكثر من عامين، رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، في أكبر زيادة خلال 22 عاماً. وهي الخطوة التي قرأها البعض على أنها “صدمة مالية هائلة بالنسبة للعالم”، فضلاً عن كونها أول اختبار حقيقي للعملات المشفرة.

مع احتدام معركة التضخم التي تخيم بظلالها على العالم بأسره، عانت الدول الغربية هي الأخرى ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات التضخم. وإذا أخذنا الولايات المتحدة مثالاً، نجد أن التضخم وصل إلى 8.5% في نهاية مارس/آذار الماضي، ما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (FED) قبل أيام إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 0.5%، في أكبر زيادة خلال 22 عاماً، لتصبح 0.9%.

وتعد خطوة الرفع الأخيرة المرة الثانية التي يرفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة منذ عام 2018، وذلك بعد أن رفعها بمقدار 0.25% في مارس/آذار الماضي. فيما توقع الخبراء حدوث 6 زيادات ذات حجم مماثل خلال عامي 2022 و2023 لتصل الفائدة إلى ما يقترب من 3.50%.

مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (FED).

وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في واشنطن الأربعاء الماضي، قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول، إن “التضخم مرتفع للغاية، ونحن نتفهم المصاعب التي يسبّبها”، مؤكداً أنهم يتحركون بسرعة لخفضه.

معركة التضخم

برّر الفيدرالي الأمريكي قرار رفع أسعار الفائدة إلى أعلى معدَّل منذ عقدين بكبح جماح الزيادة المطّردة في معدلات التضخم، والتي غذّاها ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى مستويات قياسية جراء الحرب الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من شهرين.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن سجل التضخم في الولايات المتحدة أعلى ارتفاع له في 40 عاماً وصولاً إلى 8.5% في مارس/آذار الماضي. ومن المتوقع أن يواصل التضخم الارتفاع مستقبلاً بما يفوق هدف الفيدرالي الأمريكي الذي كان عند حدود 2%.

ومن شأن عملية رفع أسعار الفائدة، التي يتوقع الخبراء أنها ستستمر خلال الأشهر المقبلة، أن تجعل عملية الاقتراض من البنوك أكثر تكلفة على الأفراد والشركات والحكومات، فيما يشجّعهم على إيداع الأموال للاستفادة من الفائدة المرتفعة، مما سينعكس حسب التوقعات على تهدئة الطلب على السلع والخدمات والتأثير في القوة الشرائية بالشكل الذي سيساعد على تخفيف تضخم الأسعار.

تأثير الدومينو

رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة أمر لن يتوقف تأثيره على الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل يتوقع أن تصل ارتداداته إلى خارج حدود أمريكا أيضاً. وبينما زادت خطوة الفيدرالي الأمريكي، التي يتوقع الخبراء لها أن تُبطئ النمو الاقتصادي العالمي، قوةَ الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى كاليورو والينّ الياباني، بدأت أسعار الذهب تسجّل انخفاضات ملموسة هي الأخرى.

ونتيجة لكون الدولار هو عملة التجارة والاستثمار عالمياً، تراقب أسواق وبنوك الدول الناشئة تداعيات هذه الخطوة وتدرس إمكانية تقليل خطورتها وتأثيراتها السلبية سواء على سعر العملة أو على الاستثمارات الأجنبية لديها. وهو الأمر نفسه الذي دفع أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة خبراء شركة (Natixis SA)، للقول: “هذه صدمة مالية هائلة بالنسبة إلى العالم”.

ولضمان عدم حدوث عمليات بيع واسعة لعملاتها واستمرار جاذبية أوراقها المالية، ستسلك البنوك المركزية في الدول الناشئة نفس الطريق الذي اختاره الفيدرالي الأمريكي، إذ قد تضطر إلى رفع الفائدة على عملاتها بنسبة مقاربة لما طُبق على الدولار.

العملات المشفرة: تكون أو لا تكون

لطالما روّج مناصرو العملات الرقمية، وبالأخص “بيتكوين”، أنها الملاذ الآمن ضد موجات التضخم العاتية التي تضرب كبرى الاقتصادات العالمية. والحقيقة أن هذه الادعاءات لقيت أذاناً صاغية في السنوات الأخيرة التي شهدت جائحة كورونا وما صاحبها من نقود سهلة رفعت من معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.

فيما تأثرت الأسهم والذهب بشكل سلبي مقابل انتعاش الطلب على سندات الخزينة الأمريكية حيث الأرباح أكبر وأسرع، دخلت العملات الرقمية، التي تجاوز حجم التداول فيها حاجز الـ 2 تريليون دولار في ذروة الجائحة، أول اختبار حقيقي يمتحن إيمان مستثمريها بنظرية الملاذ الآمن الذي روجته “بيتكوين”.

حتى الآن، لا يبدو الأمر مبشراً للعملات الرقمية؛ فقد انخفضت عملة “بتكوين” بالفعل بحوالي 53% من أعلى مستوى لها فوق 68000 دولار في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في حين عانت العملات الأخرى من انخفاضات حادة مماثلة.