في عالمنا الحديث وفي ظل التغيرات السريعة والتطورات التكنولوجية الكبيرة التي شهدها عالم الأعمال في الآونة الأخيرة، أصبحت قيمة الشركات تُقاس بمنتجاتها ومخرجاتها المالية، فلم تعد قيمة الأصول في أي شركة دليلا كافيا على قوتها المالية، بل حتى لم تعد أملاكها المتنوعة عاملا جاذبا حقيقيا للاستثمارات والمستثمرين، حيث إنه ومع تطور الفكر الاقتصادي وتعدد النماذج الاستثمارية ومن ثم انضمام علم الاقتصاد إلى منظومة عصر السرعة، أصبحت الأرباح المحققة والتوزيعات السنوية لها هي المحرك الأساسي لما يُسمى بحركة الأموال الاستثمارية وخاصة الساخنة منها وهو مصطلح يُطلق على الأموال التي تبحث عن ربح وفير بفترة قصيرة، فها هي كبرى الشركات في العالم تُخالف جميع أعراف الاستثمار القديمة لتُقدم نموذجا جديدا كان ولفترة قصيرة ماضية يعتبره البعض غير منطقي بل وحتى جنوني بامتياز.

مثلا لو رجعنا بعض سنوات إلى الخلف فمن مِنا كان سيُصدِّق أن شركة أوبر والتي تُصنّف على أنها أكبر شركة تنقل في العالم لا تملك أسطولا ضخما من السيارات بل هي لا تملك حتى أيا من سيارات التنقل التي تقدمها لزبائنها، كذلك فإن شركة أمازون والتي تُعتبر من أكبر متاجر العالم من حيث المبيعات لا تملك أو حتى تستأجر أي مبنى أو محال لبيع بضائعها، أما أكبر شركات حجز تذاكر السفر والغرف الفندقية في وقتنا الحالي فهي أيضا لا تملك أي فندق أو شركة طيران بل هي تملك فقط بعض السيرفرات والحواسيب الآلية والكثير من المستخدمين ومعلومات العملاء، هذه الطفرة في عالم الأعمال وهذا التحول في الفكر الاقتصادي حوَّل البوصلة الاقتصادية في العالم الحديث إلى ما يُسمى بالاقتصاد المعرفي، فما هو الاقتصاد المعرفي؟ وما هي أشهر أمثلته؟ وأهم خصائصه؟ بداية ومن الناحية اللغوية فإن الاقتصاد بتعريفه المُبسَّط هو النشاط البشري الذي يشمل إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك السلع والخدمات، أما كلمة المعرفة فيحددها قاموس أوكسفورد الإنجليزي بأنها مجموعة الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل أي شخص من خلال التجربة والتعليم والفهم النظري أو العملي لأي موضوع، ومن هنا فإنه يمكننا وبشكل سريع تعريف الاقتصاد المعرفي بأنه نظام اقتصادي متكامل يقوم على أساس المعرفة وهو ما يجعل من رأس المال الفكري للأفراد والعاملين المحرك الأهم لعملية النمو والتوسع الاقتصادي، بالتالي فهو يُحوِّل المعرفة والفكر إلى أصل ملموس يمكن من خلاله تحريك عجلة الاقتصاد، ومما هو جدير بالذكر أنه ووفقًا للمبادئ المحاسبية فإنه وبالرغم من أهمية رأس المال الفكري الكبيرة إلا أنه لا يمكن اعتباره من بنود الأصول التي تظهر في الميزانية العمومية باعتبار أنه يصعب تثمينه ماديًا لأنه قيمة غير ملموسة مخزنة وموجودة في عقول الأفراد.

وعلى العكس من الاقتصاد التقليدي والذي يقوم على الزراعة والصناعة باعتبارها أحد عوامل الإنتاج التقليدية (العمل والأرض ورأس المال والتنظيم)، فإن الموارد البشرية المؤهلَة ذات المهارات المتقدمة تُعتبر أكثر الأصول قيمة في الاقتصاد المعرفي، وبالتالي فإن الأنشطة المختلفة في قطاعي الخدمات والاتصالات وكذلك قطاع التكنولوجيا والإنترنت تُعتبر النواة الأساسية لهذا الاقتصاد. وبالحديث عن أهم خصائص وركائز هذا الاقتصاد فهي:

1- الابتكار والبحث العلمي المستمر حيث يتعين على المؤسسات مواكبة المعرفة المتنامية وتكييفها مع الاحتياجات المحلية فالتعليم المستمر هو أساس زيادة الإنتاجية والتنافسية في الاقتصاد المعرفي وهو القائم على المعرفة والتعلم المستمر.

2- وجود بنية تحتية مناسبة لهذا الاقتصاد وهي عادة ما تحتاج لكل من قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وكذلك لأطر وقوانين تشريعية حديثة تكون عامل تحفيز أساسي للاتجاه نحو الاقتصاد المعرفي.

3- تطوير ودعم الأفراد كعامل أساسي لبناء هذا الاقتصاد الحديث حيث تتسم العمالة في هذا الاقتصاد بقدرتها على التعلم السريع وعلى تحويل المعلومات إلى معرفة قابلة للاستخدام، إضافة إلى أهمية التعاون والتنسيق بينهم في بيئات العمل المختلفة.

وأخيرا وبرأيي الشخصي فإنه وبالرغم من أن الاقتصاد المعرفي يعتمد بشكل أساسي على الفكرة والتي قد يكون الحصول عليها في أغلب الأحيان أصعب وأكثر تعقيدا من شراء أي أصل تقليدي، إلا أن عملية صقل الفكرة وإقناع الجمهور بها قد تكون هي المرحلة الأصعب، وهنا أتذكر مقولة الطبيب الشهير وليم أوسلر «في الاكتشافات العلمية، يذهب التقدير لمن يقنع الناس بها، وليس لمن تأتيه الفكرة أولاً».