بلغت تكلفته 10 مليارات دولار.. كل ما تريد معرفته عن تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي
العمر الافتراضي لتلسكوب جيمس ويب لن يقل عن 5.5 سنوات من تاريخ الإطلاق، وعلى أمل أن يمتد لأكثر من 10 سنوات.

جيمس ويب هو أكبر تلسكوب فضائي صنعته وكالة ناسا وأقواها على الإطلاق (وكالة الفضاء الأوروبية)

في 25 ديسمبر/كانون الأول، ترقّب العالم إطلاق تلسكوب “جيمس ويب” (James Webb) الفضائي الذي بلغت تكلفته 10 مليارات دولار أميركي، على متن صاروخ أوروبي عملاق من قاعدة “كورو” الفضائية في غويانا الفرنسية. وبعد نصف ساعة من إطلاقه، بسط التلسكوب الألواح الشمسية المطوية، لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لإجراء الاتصالات.

6 أشهر حاسمة

وبحسب منشور لموقع وكالة “ناسا” الفضائية (NASA)، فإن تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي يعد ثمرة تعاون بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة الفضاء الكندية (CSA)، ويأتي تتويجا لجهود آلاف المهندسين ومئات العلماء و300 جامعة ومؤسسة وشركة من 29 ولاية أميركية و14 دولة حول العالم. ومن المرتقب أن يقود مرصد “جيمس ويب” العالم إلى عصر جديد من الاستكشافات الفضائية.

لكن الأشهر الستة القادمة، بحسب موقع وكالة ناسا، ستكون حاسمة في نجاح هذه المهمة. فبعيد إطلاقه، سيبسط التلسكوب المرايا المطلية بالذهب والدرع الواقي من الشمس الذي يعادل حجمه حجم ملعب كرة التنس تقريبا، وسائر الأنظمة الأخرى الصغيرة التي كانت مطوية حتى يتمكن المهندسون من إدخالها في الصاروخ.

وبعدها سيستقر التلسكوب عند نقطة “لاغرانج الثانية” (L2)، وهي نقطة افتراضية على ارتفاع 1.5 مليون كيلومتر من الأرض في الناحية المقابلة للشمس، ثم سيشرع في تبريد الأجهزة حتى تعمل بالكفاءة المطلوبة.

إذ تتطلب الكاميرات في التلسكوب بيئة باردة لالتقاط الومضات من المجرات البعيدة وغيرها من الأجرام الكونية في الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء.

ولهذا جُهز “التلسكوب” بمعدات تبريد ودرع واق من الشمس لتبريد الجزء المواجه للشمس منه حتى درجة حرارة 230 درجة مئوية تحت الصفر. وتعمل الأجهزة التي ترصد الأشعة تحت الحمراء القريبة عند درجة حرارة 234 تحت الصفر.

ولن يلتقط العلماء أنفاسهم ويتأكدوا من نجاح المهمة إلا بعد أن يرسل المرصد -ربما في صيف 2022- أولى الصور التي ستتيح لعلماء الفلك سبر أغوار الكون.

جيمس ويب مكمل لتلسكوب هابل
وذكرت وكالة ناسا أن تلسكوب “جيمس ويب” صُمم ليكون خلفا لتلسكوب “هابل” ومكملا له. ولكن “ويب” سيرصد الكون في الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء، إذ يتضمن تلسكوب “جيمس ويب” 4 أجهزة علمية متخصصة تغطي الأطوال الموجية في مدى يتراوح بين 0.6 ميكرون و28 ميكرونا.

ويتراوح جزء الأشعة تحت الحمراء من الطيف الكهرومغناطيسي بين 0.75 ميكرون وبضع مئات الميكرونات. وبعبارة أخرى، فإن هذه الأجهزة تعمل في نطاق الطول الموجي للأشعة تحت الحمراء والمدى الطيفي المرئي.

في حين أن أجهزة “هابل” تركز على الطول الموجي للأشعة فوق البنفسجية: من 0.1 ميكرون إلى 0.8 ميكرون.

ومن خلال رصد الأشعة تحت الحمراء، سيتمكن العلماء من اختراق الغبار ورؤية العمليات التي أدت إلى تشكل النجوم والكواكب. فإن معظم الإشعاعات التي تنبعث من الأجسام ذات درجة الحرارة المماثلة لدرجة حرارة الأرض، تكون في نطاق الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء المتوسطة.

وبينما يبلغ قطر مرآة تلسكوب “جيمس ويب” الرئيسية 6.5 أمتار، فإن قُطر مرآة “هابل” 2.4 متر، وهذا يتيح لمرصد “ويب” جمع صور من مساحة أكبر بـ6.25 مرات مقارنة بمرصد “هابل”.

ويتميز أيضا تلسكوب “جيمس ويب” عن “هابل” في أن هابل يدور حول الأرض على ارتفاع 570 كيلومترا، في حين أن جيمس ويب سيستقر عند نقطة لاغرانج الثانية L2 التي تبعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض.

وعند هذه النقطة، سيحمي الدرع التلسكوب من الضوء القادم من الشمس والأرض والقمر، حتى يبقى باردا.

ورغم أن تلسكوب “جيمس ويب” يدور مع الأرض حول الشمس، فإنه سيظل ثابتا في نفس النقطة بالنسبة إلى الأرض والشمس.

طويت المرايا والدرع الواقي من الشمس ليتمكن المهندسون من إدخال جيمس ويب في الصاروخ (ناسا)

استكشاف أصل الكون
وسيراقب تلسكوب “جيمس ويب” جزءا من الفضاء لم يتح للعلماء رؤيته من قبل. فكلما توغلوا في الفضاء، أصبح بمقدورهم رؤية الأجرام الأقدم في الكون. فلو افترضنا أن تلسكوب “هابل” يمكنه رصد المجرات الفتية، فإن تلسكوب “ويب” سيرى المجرات الوليدة، لأنه يستخدم الأشعة تحت الحمراء.

وبحسب نظرية النسبية العامة لآينشتاين، فإن توسع الكون يقترن بتمدد الفضاء بين الأجسام، وهذا يؤدي إلى ابتعاد الأجرام السماوية عن بعضها. وعندما يتمدد الضوء في الفضاء، يتحول إلى الأطول الموجية الأطول، كالأحمر.

ولهذا يعد التلسكوب الذي يعتمد على الأشعة تحت الحمراء -مثل “جيمس ويب”- مثاليا لرصد الأجرام البعيدة التي يمكن رؤيتها في الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي، أي في نطاق الأطوال الموجية للضوء التي تدركها العين البشرية.

وسيتيح تلسكوب “جيمس ويب” -بفضل التكنولوجيا الثورية التي وُظفت في صناعته- لعلماء الفلك دراسة كل طور من أطوار تاريخ الكون، من داخل مجموعتنا الشمسية إلى أبعد المجرات في فجر تاريخ الكون، وقد يوفر إجابات لطائفة من الأسئلة العلمية التي لطالما حيرت العلماء لمساعدتنا في فهم أصول الكون.

ويعلق العلماء آمالا على تلسكوب “جيمس ويب” للبحث عن الضوء المنبعث من النجوم والمجرات الأولى التي تكونت منذ ما يربو على 13.5 مليار سنة، فإن هذه الأجرام المضيئة تصل إلى الأرض في صورة أشعة تحت حمراء. وقد صمم تلسكوب “جيمس ويب” لرؤية الأشعة تحت الحمراء بدقة غير مسبوقة.

وسيستعين العلماء بتلسكوب “ويب” لدراسة الكواكب والأجرام الأخرى في مجموعتنا الشمسية، للتعرف على أصولها ونشأتها ومقارنتها بالكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى خارج مجموعتنا الشمسية، والبحث عن المناطق الصالحة للعيش على ظهر الكواكب الأخرى في مجرتنا، أي الكواكب التي تؤوي أي شكل من أشكال الحياة.

يدرس مرصد هيرشل الكون عند الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء من نقطة لاغرانج الثانية (وكالة الفضاء الأوروبية)

ما الفرق بين جيمس ويب ومرصد هيرشل؟
يتميز تلسكوب “جيمس ويب” عن مرصد هيرشل الفضائي الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية عام 2009 عند نقطة “لاغرانج الثانية”، في نطاق الأطوال الموجية للضوء التي يمكنه رؤيتها.

فإن نطاق الطول الموجي لتلسكوب “جيمس ويب” يمتد من 0.6 ميكرون إلى 28.5 ميكرونا، في حين أن نطاق الطول الموجي لمرصد “هيرشل” الفضائي يمتد من 60 إلى 500 ميكرون.

وصُمم “هيرشل” لرصد المجرات الأكثر قدرة على تكوين نجوم، لأنها تطلق معظم الطاقة في صورة أشعة تحت حمراء. في حين أن “ويب” مصمم للبحث عن أولى المجرات التي تشكلت في فجر الكون، التي يتطلب رصدها أجهزة فائقة الحساسية للأشعة تحت الحمراء البعيدة.

يأمل العلماء في أن يحصلوا على كل هذه المعلومات خلال العمر الافتراضي للتلسكوب (الأوروبية)
متى تنتهي مهمة

متى تنتهي مهمة التلسكوب؟
يأمل العلماء في أن يحصلوا على كل هذه المعلومات خلال العمر الافتراضي للتلسكوب، إذ ذكرت وكالة ناسا أن العمر الافتراضي للتلسكوب لن يقل عن 5.5 سنوات من تاريخ الإطلاق، على أمل أن يمتد عمره الافتراضي لأكثر من 10 سنوات. فإن عمر التلسكوب يتوقف على كمية الوقود التي يستخدمها للاستمرار في مداره، وكفاءة المعدات والأجهزة على متن المركبة الفضائية.

وقد زود مرصد جيمس ويب الفضائي بوقود يكفيه 10 سنوات، وبعدها -إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها- سينفد الوقود من التلسكوب، ثم يبتعد تدريجيا عن مساره، ليصبح واحدا من النفايات التي تسبح في الفضاء.