يستمر الانخفاض التاريخي لقيمة الليرة التركية، مع إصرار الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، على سياسة خفض أسعار الفائدة، في تحدي للأصوات التي ترى في ذلك خروجا عن القوانين الاقتصادية.

وحتى الآن، لا تعرف بالتحديد الأهداف التي يريدها إردوغان من هذه السياسة الاقتصادية، وبينما تراها أوساطه “إيجابية وستعود بالفائدة مستقبلا”، يجادل آخرون من المعارضة بقولهم إنها “تقود عملة البلاد إلى مزيد من الانهيار”.

وفي خطاب له، الاثنين، عقب اجتماع للحكومة قال إردوغان إن “بلاده ستخرج منتصرة من حرب الاستقلال الاقتصادي التي تخوضها في الفترة الحالية”، مضيفا أن زيادة الأسعار الناتجة عن ارتفاع سعر الصرف، لا تؤثر بشكل مباشر على الاستثمار والإنتاج والتوظيف.

وأعرب إردوغان عن ترحيبه بخفض البنك المركزي التركي نسب الفائدة (من 16 إلى 15 بالمئة)، مؤكدا أن حكومته تشجع الاستثمار والإنتاج والتصدير.

وسرعان ما انعكس حديث الرئيس التركي على الأسواق، حيث تخطى سعر صرف الليرة، مساء الاثنين، حاجز 11.4، لتصل، ظهر الثلاثاء، إلى حاجز 13 مقابل الدولار الواحد.

أي أنها خسرت نحو 13% من قيمتها في غضون ساعات قليلة، بحسب ما أوردت “فرانس برس”، كما تأثرت أيضا بتصريحات زعيم “حزب الحركة القومية”، دولت باهشتلي.

وأوضح باهشتلي في خطاب له أمام مجموعة حزبه أنهم على دراية بالمشاكل الاقتصادية، وبالشكاوى التي تم الإعراب عنها بسبب ارتفاع سعر الصرف، مضيفا قوله: “لكن السياسات المتبعة صحيحة، سيتحسن كل شيء قريبا”.

أين يتجه المسار؟
تشير الأوساط الاقتصادية داخل تركيا وباحثون تحدثوا لموقع “الحرة” إلى أنه لا يمكن التنبؤ بالحد الذي سيصل إليه سعر صرف الليرة التركية في سوق العملات الأجنبية، خلال الأيام المقبلة.

وهذا يعود إلى إصرار إردوغان على سياسة خفض سعر الفائدة من جهة، والتي سبق وأن أكد المضي فيها في أكثر من مرة، آخرها في السابع عشر من نوفمبر الحالي، بقوله: “ما دمت في المنصب فإن كفاحي ضد الفائدة سيستمر”.

وأضاف أن”الفائدة هي السبب والتضخم هو النتيجة. لا يمكنني أن أكون مع (أصدقائنا) الذين يدافعون عن سعر الفائدة”.

وكان البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بمقدار 400 نقطة أساس في الأشهر الثلاثة الماضية، على الرغم من اقتراب التضخم في البلاد من نسبة 20 في المئة.

ويقول أستاذ الإدارة المالية في جامعة “باشاك شهير”، الدكتور فراس شعبو: “بخصوص سعر صرف الليرة التركية فلا أحد قادر على التنبؤ، لأن جميع المجريات الحاصلة تسير بعكس القوانين الاقتصادية”.

ويضيف شعبو لموقع “الحرة” أن “الحكومة التركية تقامر بشكل كلي، وهنا قد يكون لديها أوراق ستخرجها إلى العلن في فترات مقبلة، ومن ثم يتحسن الاقتصاد أو تأخذ المسار إلى مناطق خطرة جدا نوعا ما”.

لكن السؤال الأبرز في ظل الحالة المذكورة، بحسب شعبو، هو “هل يستطيع الشارع التركي تحمل الضغوط؟”، مشيرا إلى “حالة خوف وهلع مستثمرين وخروج أموال، وأن البلاد أصبحت غير جاذبة للمستثمرين، الأمر الذي سينعكس على الأسواق بصورة مباشرة”.

ما علاقة “حرب الاستقلال”؟
مصطلح “حرب الاستقلال الاقتصادي” الذي تحدث عنه إردوغان في خطابه، الاثنين، سبق أن ذكره في خطاباته، لكن الظرف الذي جاء فيه، خلال الوقت الحالي، جعله حديث المحليين الاقتصاديين، وأيضا المستخدمين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتلخص وجهة نظر إردوغان في أن رفع سعر الفائدة أحد أسباب ارتفاع معدل التضخم في البلاد، كما يُعد سعر الفائدة عائقا أمام المستثمرين، لأن سعر الفائدة المرتفع، يزيد تكاليف الإنتاج.

ويرى أن وصول سعر الفائدة إلى 24 بالمئة أو 19 بالمئة يدفع الأفراد والمؤسسات إلى أن يضعوا أموالهم في البنوك، ويغلقوا الشركات والمؤسسات، مكتفين بما يأتيهم من فوائد على أموالهم.

ويوضح شعبو أن “الاقتصاد التركي لم يكن مستقلا منذ تأسيس الدولة التركية، حيث كان تبعيا وليس حرا”.

ويضيف أن “48 بالمئة من المصرف المركزي يتبع لقطاعات وشركات وواجهات خاصة. اليوم توجد قدرة لبعض المتنفذين داخل البلاد في التلاعب بهذا الاقتصاد”. و”هناك دولة عميقة جدا في عالم الاقتصاد التركي، وبالتالي يمكن القول إنها كالكيان الموازي، الذي يرتبط بأطراف خارجية”.

ويقول أستاذ الإدارة المالية في جامعة “باشاك شهير” إن ما يجري اليوم هو “صراع قوي ما بين المحسوبين على هذه الأطراف من جهة ورغبة إردوغان في تحرير التبعية والارتباطات الدولية من جهة أخرى”.

لكن الباحث السياسي التركي، هشام جوناي، يرى أن إشكالية “حزب العدالة والتنمية” وإردوغان تكمن في “تحويل المواضيع الاقتصادية إلى موضع بقاء أو نهاية”.

ويقول جوناي لموقع “الحرة” إن “إردوغان لا ينظر إلى المواضيع من الزاوية الحقيقية، ودائما يعزو الأسباب إلى تدخلات خارجية وحرب اقتصادية تشن على تركيا”.

ويضيف أن إردوغان “ينسى أن ذات الجهات التي يتهمها اليوم بمحاربته كانت جزءا أساسيا من الطفرة الاقتصادية التي ظهرت في عهده بين عامي 2003 و2010”.

في غضون ذلك باتت الليرة التركية، وأسعار الصرف الخاصة، حديث الشارع اليومي للبلاد.

كما تحولت أيضا إلى ركيزة أساسية من شأنها أن تلعب دورا كبيرا داخل المشهد السياسي، وخاصة بعد عام ونصف العام، أي في موعد تنظيم الانتخابات الرئاسية (يونيو 2023).

وبينما يرى معارضون في تركيا أن أزمة العملة ستؤثر على شعبية إردوغان في المرحلة المقبلة، في وقت تشير أوساط “العدالة والتنمية” إلى أن سياسة خفض أسعار الفائدة ستنعكس بالإيجاب في ربيع العام المقبل.

وفي تغريدة له، الثلاثاء، نشرها على “تويتر” قال عضو لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي سابقا، سميح تومان، “نحن بحاجة إلى التخلي عن هذه التجربة غير العقلانية التي لا أمل لها في النجاح”.

وأضاف تومان، الذي أقيل قبل أشهر بمرسوم رئاسي: “يجب العودة إلى سياسات الجودة التي تحمي قيمة الليرة التركية، ورفاهية الشعب التركي”، مشيرا إلى أنه “من الجيد أن نتذكر كيفية القيام بذلك” واقتبس ما نشره رئيس البنك المركزي السابق، ناجي أغبال، في 19 سبتمبر الماضي.

وكان أغبال قد أقيل أيضا بمرسوم من إردوغان، وهو أحد المناصرين لرفع أسعار الفائدة، إضافة إلى خفض التضخم إلى 9.4 بالمئة في نهاية 2021.

ويعتقد أستاذ الاقتصاد في جامعة ماردين، مسلم طالاس، أن هبوط الليرة “سيستمر مع استمرار السياسة الحالية التوسعية”.

ويضيف لموقع “الحرة” أن “ما يقوم به الرئيس هو رهان انتخابي على كسب أصوات المقترضين، والقاعدة التقليدية الإسلامية للناخبين، وأعتقد أنها ستضر بالنمو الاقتصادي بشدة في المستقبل”.

أما الباحث شعبو فيشير إلى أن “النظام الاقتصادي التركي جزء من النظام الرأسمالي العالمي”، ويوضح أن “التجربة التركية تجري عكس القوانين الاقتصادية، لكن قد يكون هناك أدوات بيد الحكومة لا نعرفها حتى الآن”.

انخفضت قيمة الليرة التركية أمام الدولار، الأربعاء، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم وتداعيات اقتصادية أخرى، بعدما هوت 15 في المئة، الثلاثاء، عقب دفاع الرئيس رجب طيب إردوغان عن التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة، وفقا لرويترز.

وهبطت الليرة إلى 13.15 مقابل الدولار، الأربعاء، قبل أن تتراجع إلى 13.05 بحلول الساعة 07:03 بتوقيت غرينتش. والثلاثاء لامست أدنى مستوى لها على الإطلاق عند 13.45.

وسجلت العملة التركية مستويات منخفضة، ووصلت خسائرها منذ بداية العام إلى 43 في المئة، بينها نحو 24 في المئة تكبدتها منذ بداية الأسبوع الماضي.

وعلى الرغم من دفاع إردوغان عن السياسة النقدية للبنك المركزي، وتعهده بالفوز في “حرب الاستقلال الاقتصادية”، تتزايد الانتقادات من جانب أولئك الذين يطالبون باتخاذ إجراءات لوقف تراجع قيمة العملة.

وليس هناك أي تلميح إلى تدخل لوقف الانهيار، وقال البنك المركزي التركي، الثلاثاء، إنه لا يمكنه فعل ذلك، في ظل “تقلب مفرط” لسعر الصرف.

وفرض إردوغان ضغوطا على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بهدف تعزيز الصادرات والاستثمار والوظائف، حتى مع ارتفاع التضخم إلى ما يقرب من 20 في المئة، وتسارع انخفاض قيمة العملة، مما يؤثر بشدة على عائدات الأتراك.

وكان انخفاض الليرة الثلاثاء، هو الأكبر منذ ذروة أزمة العملة في 2018، التي أدت إلى ركود حاد، وتسببت في ضعف النمو على مدار ثلاث سنوات، ورفعت التضخم لخانة العشرات.

وخفض البنك المركزي أسعار الفائدة 400 نقطة منذ سبتمبر الماضي، وفقا لرويترز.

وبينما وصلت الثلاثاء إلى حاجز 13 ليرة مقابل الدولار الواحد سجلت انتعاشا يوم الاربعاء عقب الإعلان عن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتصل إلى حد 12.4 مقابل الدولار.