المقايضة أو المبادلة هي النشاط الأقدم والأعم، وقد عرفها الإنسان من قدم الزمان، وإن كان الكثير من الأفكار قد قدمت من قبل الكثير من العلماء والفلاسفة، وأخذت حيزا كبيرا في الفضاء الإنساني، واستقطبت الإنسانية حول مفهوم أو فكرة، ودافع عنها مجموعة من الأفراد والدول وقامت عليها الثورات، وكتبت عنها الكتب، وأقيمت لها الأحزاب، ولكن عند النظر لذلك ورؤية أن تلك الأفكار هي جزء من منظومة، هي في الأساس تقوم على التبادل، وقد قامت الحضارات على التبادل، من تجارة الحرير إلى تجارة البهارات، وربطه بين الأمم القديمة والحضارات العريقة، فلننظر إلى التبادل كأساس اقتصادي، ومفهوم عام يشمل التبادل السلعي، وتبادل العمل من جانب والمعاش من جانب آخر، وهذا ما سمي بالرأسمالية،

ولكن هناك تبادلات أخرى منها تبادل الأمن من جانب الدولة والطاعة من جانب المواطن، والتبادل العاطفي من جانبين وهو الزواج، ولذلك فإن نظاما اقتصاديا يعتمد المبادلة كأساس له قد يكون أشمل وأعم ويغطي مساحة أكبر من النشاط الاجتماعي، ويعطي تفسيرا أعم عن المجتمعات الإنسانية وطبيعتها الاقتصادية، وإذا قبلنا المبادلة أو المقايضة فإنها قد تكون أقدر على منحنا قدرة على تفسير، السلوكيات الإنسانية بشكل أكثر منطقا وبنظرة أعمق، حتى الأعمال الإنسانية يمكن فهمها في حال استخدمت المبادلة أو المقايضة، والمقايضة هي المبادلة مضاف إليها بعض التفاوض، ولذلك فإن الأعمال الخيرية هي من أجل صرف الجهد وكسب الأجر، قد نرقى في حالات روحانية، لرضاء الله من غير طلب الأجر بل إن العمل خالص لله، وهذه حالة روحانية، قد يكون التبادل هنا حالة السلام، أما الواقع الإنساني اليوم، فإنه من الطبيعي أن نرى أن النشاط التبادلي، هو أساس لمعرفة اقتصادية أعم وأشمل، قادرة على رسم وسبر أغوار النفس الإنسانية، وتبعات العمل الإنساني في شكله الاقتصادي، فالتجارة العالمية هي وجه آخر للتبادل السلعي، وهذا التبادل السلعي مهم لأنه ينشئ اقتصادا عالميا يقوم على الميزة التنافسية لكل بلد، ولذلك يكون توزيع العمل حسب قدرة وإمكانية كل دولة، وتتخصص كل دولة فيما تجيد، فدولة تصدر الطاقة ودولة تصدر الغذاء ودولة تصدر الساعات، وهكذا كل دولة تقدم للإنسانية أفضل ما تملك، وهذا ممكن بسبب التبادل، وقدرة الإنسان على مقايضة عمله من أجل المال، فإنه يمكن الحصول على الأفضل اقتصاديا، وكما كان الناس في الماضي البعيد يتبادلون، السلع مقابل السلع، أي القمح مقابل الرز والماشية مقابل الحبوب، وبعدها ابتدع الإنسان مقياس المال كوحدة متعارف عليها يتم التبادل من خلالها، فإن التبادل لا يقف عند التبادل السلعي بل يجتاره إلى التبادل المجتمعي فالزوج يقوم بالحماية وتوفير المأكل والملبس، والزوجة تحفظ البيت وتقوم على صيانته وتوفير الحنان للأطفال والمحافظة على المنزل، وهكذا فإننا نرى أن التبادل كأساس لتفسير النشاطات الإنسانية، أقدر من اعتماد نوع من التبادل مثل التبادل السلعي كأنه الأساس الوحيد لأوجه النشاط الإنساني، وهو الرأسمالية والتي لا تستطيع تفسير، النشاط السياسي ولكن المبادلة قادرة على تفسير تلك العلاقة بين الدولة

والمواطن، ألا وهي المبادلة بين الدولة في شكل أمن وأمان وحماية، وتوفير العمل ودولة الرفاه الاجتماعي، وعلى المواطن القيام بواجبات المواطنة وهي الانصياع للقانون وعدم الانخراط في نشاطات تعارض الدولة، بل إن الدولة اليوم والمجتمع يطلب جهد الأفراد من أجل تحقيق التنمية، وهكذا يمكن تفسير ما لا يمكن تفسيره تحت المسميات الأخرى، من الاشتراكية إلى الرأسمالية، بل المجتمعات الإنسانية دخلت مبادلة أعلى، وهي المبادلة المعرفية، وهنا نرى أن المجتمعات الإنسانية أصبحت تؤمن بالحرفية والمهنية، فأصحاب رأس المال تنازلوا عن إدارة أموالهم، للمحترفين في إدارة رأس المال، من مديري المحافظ وإلى مديري الشركات، وأصحاب النفوذ تخلوا عن نفوذهم للمهنيين من الأفراد القادرين على إدارة الشأن العام من أصحاب المعرفة والخبرة، هكذا نرى أن المبادلة والتبادل كأساس، لتحليل السلوكيات الإنسانية أعم من النظريات السابقة حقيقة أن الحاجة لتقديم دراسات وتساعدنا على شحذ أدوات تلك الفكرة ضرورة ملحة في عصر يصعب معه قبول النظريات الأيديولوجية السابقة، وقد تكون هناك مبادلة هي جزء من البنى المجتمعية، مثل العائلة والتبادل بين الزوج والزوجة وعلاقة الزوج والزوجة هي علاقة وهيكل اجتماعي مبنية في عقد الزواج، وهناك علاقات تبادلية هي جزء من هيكلة الدولة، وهي الأمن والأمان من جانب الدولة والطاعة من جانب المواطن، وهناك علاقات تبادلية هي مادية في الأساس وهي التبادل السلعي، وهنا هي علاقات قائمة على المصلحة الذاتية والمتحولة، حسب الأوضاع والظروف، وهي محكومة بالمصالح وتحكمها الظروف من الجغرافيا إلى الطبيعة، إلى اللغة والثقافة، ففي أوقات تتوسع فيها الأمم تنظر للخارج وفي أوقات تنكمش فيها الأمم فهي تنظر للداخل، فتتغير نظرة الناس للتبادل التجاري والسلعي، وأما تبادل العمل من أجل المال وهو ما قامت عليه النظريات الشيوعية والاشتراكية، فهي حاله استجرت بعض الشيء على الإنسانية، أما في الماضي فقد كان العمل من أجل الطعام أو السكن أو الأمن، هو السائد، وهو تبادل عمل من أجل إما سلعه ومال، وإن كان المال قد جعل من هذا التبادل أمرا ظاهرا، مما جعل من رفضه ونظيره أمرا قائما في بدايات القرن التاسع عشر

ولكن عندما ننظر للأمر من زاوية التبادل كأساس يتبين أن تبادل العمل من أجل المال هو مجرد ظاهرة واحدة من النشاط الإنساني، وليس هو الأساس الذي يحدد كيفية تكون المجتمعات كما ادعت الماركسية، إن المجتمعات الإنسانية بنيت على أساليب الإنتاج وأن من يملك أساليب الإنتاج يملك القدرة على التحكم في المجتمع وعلاقاته، ولكن المجتمعات بنيت من قديم الزمان على عامل الأمن أكثر من عامل الإنتاج، من قرأ التاريخ يعلم أن عامل الأمان كان هو الأهم في تكوين المجتمعات منذ بزوغ فجر التاريخ، حتى الدين فالإنسان يقبل على الطاعة لربه من أجل النجاة ومن أجل السلام ومن أجل الجنة والنجاة من النار، إذاً في حال اعتمدنا التبادل كأساس يمكن تفسير وجود الدولة والعائلة والعمل والزواج والدين وهي أمور لم تستطع النظريات السابقة الإحاطة بها، تظل المرحلة الأخيرة وهي التبادل على أساس المعرفة هي الأهم، وهي الأهم في قادم الأيام، لأن الاقتصاد يتحول إلى اقتصاد معرفة، ولذلك فإن المهنية والحرفية هما الأساس للتبادل في المستقبل وعلى أساسه يمكن أن نحصر بعض تحقيقاتنا في التبادل المعرفي الحرفي والمهني لأنه الأهم في الوقت الحاضر.