مفهوم السياسات التجارية : السياسة هي التوجه أو تحديد التيار للوصول إلى الهدف المعين و المنشود بأقل التكاليف اقتصاديا أو بالتضحية بشيئ أكبر من تكلفته الطبيعية للوصول إلى الهدف المنشود فهن مسألة اكبر من موضوع ربح أو تكاليف فهن التوجه اصبح استراتيجيا . والسياسة التجارية تعني مجموعة الأساليب والأدوات التي تتخذها الدولة للحد من الواردات أو لتشجيع الصادرات. وينحصر الاهتمام بالسياسة التجارية في موضوع الحماية والحاجة إليها، أي أن الدولة تتدخل وتطبق أدوات السياسة التجارية لغرض حماية الاقتصاد المحلي

وانا الأفكار والتوجهات الاقتصادية تنقسم إلى عدة أقسام .

أفكار الاقتصاديين التجاريين (الميركانتليين) وتأكيدهم على تقييد التجارة الخارجية وبخاصة الجانب الاستيرادي ، لأنهم كانوا يعتقدون بان التجارة الخارجية إذا ما كانت تؤدي الى حصول طرف ما على إرباح ، فان ذلك يكون على حساب الطرف الآخر ،

غير إن المفكرين الفزيوقراط أو الطبيعيين قد مهدوا لظهور أفكار جديدة تقوم على أساس الحرية في الممارسات الاقتصادية ومن ضمنها النشاط التجاري ، الذي يحقق الفائدة لكلا الطرفين المتتاجرين ،

ومن الجدير بالذكر إن نظريات التجارة الخارجية تقوم على افتراض سيادة المنافسة التامة ، غير إن الواقع هو الأسواق عموما تسودها المنافسة غير التامة او المنافسة الاحتكارية او احتكار القلة ، وبناءاً عليه فان عموم دول العالم اليوم إنما تقوم بأنواع من التدخل في الشأن التجاري وذلك للأسباب الآتية :
1. العلاقات النقدية الدولية : فعندما يعاني ميزان مدفوعات إحدى الدول من مشكلة ما مثل العجز فإنها تلجأ الى فرض بعض القيود على الصرف الأجنبي لمعالجة هذا الخلل وهذا بحد ذاته يعدّ تدخلاً غير مباشر في التجارة الخارجية .
2. رغبة الحكومة في تغيير حجم ونمط التجارة لتحقيق أهداف معينة (قد تكون اجتماعية او سياسية أو صحية ….الخ) من خلال الأدوات المباشرة لسياستها التجارية .
3. القيود المفروضة على التجارة ، والتي هي نتيجة لتركيب أسواق المنافسة غير التامة (أي المنافسة الاحتكارية واحتكار القلة) باعتبارها الأسواق الأكثر شيوعا في عالم اليوم .
وتعرف السياسات الجارية بأنها (مجموعة الأدوات التي تستخدمها السلطات الاقتصادية للتأثير على مسار التجارة الخارجية كما ونوعا ولتحقيق أهداف معينة)
كما تعرف كذلك بأنها (حزمة من القوانين والإجراءات والتشريعات التي تتخذها الدولة من اجل تنظيم العلاقة بينها وبين دول العالم الأخرى ).
ومن الملاحظ ان بعض السياسات التجارية تؤدي الى التوسع في التجارة الخارجية (مثل دعم الصادرات او إلغاء نظام الحصص) وبعضها الآخر يؤدي الى انكماش التجارة الخارجية (مثل رفع سعر التعريفة الجمركية او سياسة المنع) .

أنواع السياسات التجارية : تقسم السياسات التجارية الى نوعين رئيسيين هما :
اولا: سياسة الحرية التجارية (التجارة الحرة) اي حرية حركة السلع والخدمات بين دول العالم دون قيود .
ثانيا : سياسة الحماية التجارية (التدخل في التجارة الخارجية) اي خضوع التجارة الخارجية الى رقابة وتدخل السلطات الاقتصادية في الكم والنوع .
ولكن من الملاحظ بأنه عند الحديث عن السياسات التجارية فان الذهن ينصرف مباشرة الى سياسة الحماية التجارية ، كما إن السياسات التجارية تختلف من دولة لأخرى تبعا لتطورها الاقتصادي ومستوى تركيب نشاطها الإنتاجي والموردي ، فعندما يكون النشاط الاقتصادي متنوعا وقادرا على المنافسة في الأسواق العالمية فان قيود السياسة التجارية تميل الى الانخفاض والتساهل ، إما إذا كان إنتاجها ما يزال في طور النمو فهو يحتاج الى حمايته من المنافسة الخارجية مما يستلزم معه تطبيق سياسات تجارية مشددة .

أولا : سياسة الحرية التجارية
ويقصد بها إطلاق العنان الى التبادل التجاري الدولي دون قيود تعيقه ، وذلك عائد الى سيادة مبادئ المذهب الحر الذي ساد خلال القرن التاسع عشر ، وقد استندت الى مبدأ النفقات النسبية لريكاردو واطروحات الفزيوقراط (الطبيعيين) التي ترى ان المصلحة الخاصة لا تتعارض مع المصلحة العامة بفعل القوانين الطبيعية لان المصلحة العامة هي عبارة عن المجموع الأفقي للمصالح الخاصة ، وكانوا يؤمنون

(1) بوجود الأيدي الخفية (Hidden Hand) التي تعيد حالة التوازن الاقتصادي تلقائيا دون تدخل الدولة

(2) إن المنافسة الحرة كفيلة بتحقيق السعر العادل (Just Price) والذي يحقق ربحا معقولا للبائع وفي نفس الوقت يحظى برضا المشتري .
وقد استمرت بريطانيا بإتباع هذه السياسة حتى الحرب العالمية الأولى إذ أصيب اقتصادها بعد الحرب بمشكلات استدعت تدخل الحكومة وفرض الحماية التجارية للإسراع بإعادة بناء ما دمرته الحرب .

ثانيا : سياسة الحماية التجارية
ويقصد بها“ حماية منتجي السلع والخدمات المحليين من منافسة المنتجين الأجانب ، فضلا عن حماية المنافع العامة ”.
ابرز الدواعي الى هذه السياسة :
• تقسيم العمل الدولي الى منتجي مواد أولية (البلدان النامية) ومنتجي السلع الصناعية (البلدان المتقدمة) وحرمان الأولى من فرص النمو والتطور الاقتصادي والمعيشي .
• دعوة (كينز Kynz) الى تدخل الدولة لإنقاذ الاقتصاد الوطني من آثار الأزمة العالمية في الثلاثينات من القرن العشرين وتحقيق الاستخدام الكامل من خلال السياسات الاقتصادية المختلفة ومنها سياسة الحماية التجارية .

حجج انصار حرية التجارة : تعمل الحرية التجارية على زيادة الإنتاج بفعل التخصص وتقسيم العمل الدولي وهذا يعمل على :
زيادة الدخل القومي العالمي .
انخفاض أسعار السلع والخدمات في الأسواق الدولية .
الإنتاج الواسع وتحقيق وفورات الحجم وانخفاض التكاليف من خلال قيام المشروعات بالإنتاج لسد حاجة الطلب المحلي وكذلك الطلب العالمي الذي يتم تصديره عن طريق التجارة الحرة .

حجج انصار الحماية التجارية
• تقليل البطالة : تعمل أدوات الحماية (التعريفة أو الحصص) على رفع أسعار السلع المستوردة وإقبال الناس على شراء المنتجات المحلية ومن ثم زيادة الإنتاج وزيادة مستوى التشغيل .
• تنويع الإنتاج : تعمل أدوات الحماية على تلبية الطلب المحلي من الإنتاج المحلي وبالتالي فان المشروعات سيكون بإمكانها تنويع منتجاتها وعدم الاقتصار على عدد محدود من السلع .
• حماية الدولة من الداخل : مثل الحصار أو الحروب الاقتصادية أو السلع الضارة بالصحة العامة أو الأخلاق الاجتماعية أو السلع غير الكفوءة ، أو التعرض للإغراق .
• الحصول على الإيرادات : وذلك من فرض الرسوم والتعريفات الجمركية .
• حماية الصناعات الناشئة : اي الصناعات الحديثة التي قد تنافسها السلع المستورة فتقوم أدوات الحماية من التصدي للسلع الأجنبية ،

وأول من نادى بحماية الصناعات الناشئة الأميركية من السلع الانكليزية هو الأميركي(الكسندر هاملتون ) عام 1791 ، ثم تبعة الألماني (فريدريك ليست) عام 1840 عندما نادى بحماية الصناعات الألمانية على الأقل في مراحلها الأولى .

اسباب حماية الصناعات الناشئة
الحماية من العمل الرخيص : قد يكون العمل الرخيص سببا رئيسا في انخفاض التكاليف ومن ثم الأسعار ، فتعمل الدولة على التدخل لحماية منتجاتها من منافسة الدول ذات العمل الرخيص .
دعم وحماية الاقتصاد الوطني : وتتمثل هذه الحماية باتخاذ الوسائل التي تمنع من ممارسة الإغراق من قبل الدول الأخرى ، الأمر الذي يؤدي بدوره الى انكماش أو اضمحلال بعض الصناعات الوطنية .
تحسين معدلات التبادل التجاري : يعرف هذا المعدل بأنه قدرة وحدة الصادرات على شراء وحدة الاستيرادات ، وعليه فان فرض التعريفة مثلا على السلع المستوردة سيؤدي الى رفع أسعارها وتقليل استيرادها ، وهذا قد يدفع الدولة المصدرة الى تخفيض أسعار سلعتها لكي تحافظ على نفس المستوى من التصدير فتتحسن عندئذ معدلات التبادل لصالح الدولة الأولى .

أدوات السياسة التجارية
وتنقسم عادة إلى الأدوات التالية:

نظام التعريفة الجمركية Tarifs.
وتسمى احيانا ضريبة الواردات، وهي عبارة عن أداة من أدوات السياسة التجارية للدولة لتحقيق أهداف
اقتصادية معينة. وتأتي التعريفة الجمركية في صورتين، إما مبلغ محدد لكل وحدة مستوردة، أو نسبة معينة من سعر السلعة المستوردة. وتفرض التعرفة اساسأ لحماية الاقتصاد الوطني عن طريق رفع سعر السلعة المستوردة، وتسمى في هذه الحالة تعريفة حمائية. ولكن التعريفة الجمركية تكون احيانا مخصصة اساسا لجلب إيرادات جمركية للدولة وتسمى في هذه الحالة تعريفة إيرادية.

نظام الحصص Quotas.
وهو عبارة عن وضع حد أعلى لكمية المستوردات لكل فترة زمنية، مثل تحديد عدد السيارات الممكن استيرادها كل سنة. ولنظام الحصص نفس أثار التعريفة تقريبا إذ يؤدي إلى رفع سعر السلعة المستوردة، ولكنه لن يؤدي إلى نفس حصيلة الإيرادات للدولة.

نظام الإعانات Subsidies.
وهو أن تعطي الدولة إعانات للمنتج المحلي لكي ينتج سلعا تحل محل المستوردات، أو لكي يطور ويحسن إنتاجه ويقوم بالتصدير.
وبالتالي فالإعانات نوعين، إعانات واردات وهي تعطي للمنتج المحلي لكي ينتج سلعا لإحلال المستوردات أي لتقليل الاعتماد على المستورد وزيادة الاعتماد على المنتج المحلي. وإعانات صادرات وهي تعطي لمنتجات سلع التصدير لتوسيع حجم الصادرات. والغرض من النوع الأول هو زيادة المعروض من السلع المنتجة محلياً بينما الغرض من النوع الثاني هو زيادة عرض السلع المصدرة إلى السوق الدولي.

تبريرات الحماية Protection Arguments
هنالك العديد من التبريرات التي ظهرت لتفسير توجه كثير من الدول . وبخاصة الدول النامية، إلى الحماية وتقييد التجارة.

ومن هذه التبريرات:

تحسين معدل التبادل التبادل التجاري: إن فرض قيود جمركية سيؤدي إلى رفع أسعار المستوردات مما يؤدي بدوره إلى قلة الطلب عليها محليا، وبالتالي ينخفض سعرها في السوق الدولي مما سيكون له اثار إيجابية على معدل التبادل التجاري.
حماية الصناعة الوليدة: وهي تبرير قديم جدأ ومهم للدولة النامية. وفكرة هذا التبرير هي أن الصناعات في أولى مراحل تكوينها تكون مرتفعة التكاليف، وإلى أن تصل النشأة الصناعية إلى حجمها الأمثل وتتمتع بوفورات حجم فإنها تكون في حاجة إلى حماية من المنافس الأجنبي، لذلك يجب فرض قروض جمركية (اغلاقية أو حمائية) لفترة معينة تستطيع من خلالها الصناعة الوليدة النمو واكتساب القدرة على منافسة السلع المستوردة.