يشير العديد من التقارير الدولية الصادرة عن مراكز الابحاث والمؤسسات الدولية أن هناك خمسة اتجاهات في الاقتصاد العالمي برزت خلال العقد الماضي وما تزال تؤثر على واضعي السياسات.

كل هذه الاتجاهات تصب في مدى تأثير السياسات الاقتصادية المتبعة على مستوى العالم على معدلات النمو الاقتصادي واستعادة الزخم في الانتاجية لما لذلك من انعكاسات على مستوى معيشة ورفاه الفرد العالمي.

أول هذه الاتجاهات هو أن قادة العالم، وخلال السنوات العشر الماضية، كانوا قد اتخذوا إجراءات سريعة للتخفيف من حدة أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الكبير الذي حصل في ثلاثينيات القرن الماضي، ولكن هذا وحده لم يكن كافيا لتعزيز نمو الإنتاجية.

فمنذ الركود الكبير، أبقى واضعو السياسات الاقتصاد العالمي على حالهِ في المقام الأول من خلال السياسات النقدية التوسعية وغير التقليدية.

ولكن على الرغم من ضخ السيولة الهائلة، إلا أن الاقتصاد العالمي استمر في حالة الركود خلال العقد الماضي، وتشير التقارير الى أن البنوك المركزية الأربعة الرئيسة في العالم ضخّت وحدها 10 تريليونات دولار بين عامي 2008 و 2017.

وثاني هذه الاتجاهات انه مع نفاذ قدرة السياسات النقدية وحدها في تحفيز النمو، لأنه ليس هدفها الاساسي الرئيسي، يجب على صانعي السياسة إعادة النظر في مجموعة أدواتهم وتوسيعها لتشمل مجموعة من أدوات السياسة المالية والإصلاحات والحوافز العامة.

ويعني الاعتماد الحصري – وربما المفرط – على السياسة النقدية أن السياسة المالية قد تم الاستغناء عنها إلى حد كبير، كما ينعكس ذلك في الانخفاض المطرد في الاستثمارات العامة على مستوى العالم.

فعلى الرغم من تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، نتيجة سواد عقد كامل من أسعار الفائدة المنخفضة، لم يكثف القطاع العام الاستثمارات (بلغت النفقات الحكومية كنسبة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في الولايات المتحدة 18.3 ٪ في العام 1995، و 15.7 ٪ في العام 2016 ؛ وفي فرنسا كان 21 ٪ في العام 1995
و 15.4 ٪ في العام 2016) – ويرجع ذلك جزئيا، في بعض الاقتصادات المتقدمة، إلى مخاوف بشأن استدامة الدين العام، فقد بلغت نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 237 ٪ في اليابان، و 121 ٪ في البرتغال و 132 ٪ في إيطاليا.

ومن هنا تأتي أهمية اعادة إعطاء أدوار أكبر للسياسات المالية العالمية وللقطاع الخاص وللشراكات ما بين القطاعين العام والخاص وللاستثمارات الاجنبية لاحداث النمو في الاقتصاد العالمي.

ثالث هذه الاتجاهات هو تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتعزيز تكامل التكنولوجيا يعد أمرًا مهمًا، لكن على صانعي السياسات الاستثمار بالتوازي في تطوير المهارات لدى القوى البشرية التي تدخل سوق العمل سنويا، إذا كانوا يرغبون في توفير فرص تشغيل للجميع في عصر الثورة الصناعية الرابعة.

ففي حين أن العديد من الأسواق المتقدمة والناشئة تتبنى التقنيات الجديدة للثورة الصناعية الرابعة، فإن إيجاد توازن بين تكامل التكنولوجيا واستثمارات رأس المال البشري والنظام الإيكولوجي للابتكار سيكون أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز الإنتاجية في العقد المقبل.

فلم يعد الاستثمار في الموارد البشرية فكرة متأخرة – بل هو لبنة أساسية في النمو في طور الثورة الصناعية الرابعة. فيجب الاقرار أنه في حين أن المنشورات العلمية وتطبيقات البراءات ومصروفات البحث والتطوير والمؤسسات البحثية كلها جوانب راسخة لتطوير القدرة على الابتكار، الا أنها ليست كافية.

رابع هذه الاتجاهات هو أنه ما تزال القدرة التنافسية أساسية لتحسين مستويات المعيشة، لكن يجب على صانعي السياسات النظر في سرعة واتجاه وجودة النمو معًا في مطلع 2020. فما يزال النمو الاقتصادي المطرد طريقًا حاسمًا للخروج من الفقر ومحركا أساسيا للتنمية البشرية ومستويات المعيشة.

ومع ذلك، لا يكفي ذلك من تلقاء نفسه والعالم يتطلع إلى حلول لأكبر تحديين في العقد المقبل: بناء الرخاء المشترك وإدارة الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر. تُظهر البيانات الواردة في التقرير التنافسي العالمي ارتفاعًا ملحوظًا في تركيز السوق في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

خامس هذه الاتجاهات هو أنه من الممكن أن ينمو الاقتصاد بشكل شمولي ومستدام بيئيًا – ولكن هناك حاجة إلى مزيد من الرؤية الحكيمة لوضع جميع الاقتصاديات على مثل هذا المسار المربح للجانبين. فقد تنبثق المفاضلات المتصورة بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من نظرة ضيقة قصيرة الأجل للنمو ولكن يمكن تخفيفها من خلال تبني نهج شامل وطويل الأجل لتحقيق النمو. بعض الاقتصادات تنجح بالفعل في القيام بذلك، فعلى سبيل المثال، لم تصبح السويد والدنمارك وفنلندا من بين أكثر الاقتصادات تطورا تكنولوجيا وإبداعا وديناميكية في العالم، بل توفر أيضًا ظروفا معيشية أفضل وحماية اجتماعية أفضل، فهي أكثر تماسكا، وأكثر استدامة من أقرانها المماثلين لها في القدرة التنافسية.