بين السعادة ومصلحة المجتمع..هل يجب أن يدفع الأغنياء ضرائب أعلى؟

هناك طريقة تم إثباتها علمياً لتحقيق السعادة وهي “أن تمنح الأموال للآخريين” لكن هذا الأمر قد يشبه “دفع ضرائبك بكل سرور”.

والاتجاه نحو إنفاق الأموال تحول منذ حقبة صعود الاستهلاك الواضح في فترة الثمانينات، حينما كان السعي نحو السعادة يتمحور حول شراء قصر كبير أو ملابس من تصميم إيف سان لوران، وتجنب الضرائب مهما كانت التكلفة.

ويرى مقال نشرته صحيفة “ذا فايننشال تايمز” أن عقلية حب الغير المتزايدة في العالم اليوم تقدم إمكانية مغرية لعالم أكثر عدلاً يضم مانحون ومتلقون أكثر سعادة.

وقديماً كان الأباء والأمهات دائماً ما يحثون أبنائهم على فعل الخير للآخرين لأن في ذلك طريق السعادة، ولكن النصيحة الأبوية اليوم تبدو وأنها مدعمة بمقالات تعليمية وصياغات مبهرة.

ووفقاً لبحث من إعداد “إليزابيث دبليو دن” و”لارا بي أكنين” و”مايكل نورتون” من جامعة كولومبيا البريطانية وكلية هارفارد للأعمال على التوالي فإن منح دخلاً للأخريين يؤدي لشعور المانح بمشاعر جيدة.

وطلب الأكاديميون من 632 شخص أمريكي تقييم سعادتهم العامة مقابل دخلهم السنوي وتم مواجهتهم بسؤال كم من الأموال ينفقوها على أنفسهم والآخرين، وبعد ذلك عملوا مع أطفال في سن صغير لمعرفة بماذا يشعرون حينما يتبرعوا بالحلوة، وكانت إجابتهم أنه شعور جيد.

وأخيراً بحثوا في الرابط بين التبرعات الخيرية والسعادة في 136 دولة ووجدوا العلاقة إيجابية داخل 120 دولة.

والبريطانيون يعون أن العطاء قد يكون له عواقب إيجابية فيما يتعلق بالضرائب، فإن أسهل طريق لخفض الضرائب على الإرث هي التبرع بالمال وأنت على قيد الحياة.

كما أن ترك أموالاً للأعمال الخيرية في الوصية ممكن أن يساهم أكثر في خفض مقدار ضريبة الميراث المفروضة على باقي ممتلكات الشخص.

ولكن لا يجب أن تموت حتى تجني ثمار سخائك، وتمكن قواعد المعونة الحالية دافعي الضرائب ذوي المعدلات الأعلى من المطالبة بتخفيض قيمة التبرعات الخيرية من الإقرار الضريبي السنوي، على الرغم من أن الدراسات أظهرت أن عددًا قليلاً جدًا من الناس يفعل ذلك.

واقترح بعض الخبراء تقديم إعفاءات ضريبية للأفراد اللذين يتبرعون لخفض الدين الوطني البريطاني.

وتبرع الشعب البريطاني في العام الماضي بـ10مليار دولار لمؤسسات خيرية، ومع ذلك كان هناك فقط 14 تبرع ووصية لخفض الدين الوطني البريطاني بقيمة إجمالية بلغت 11 ألف إسترليني فقط.

ولكن بدلاً من استخدام الأعمال الخيرية كوسيلة لدفع ضرائب أقل، لماذا لا يتم عمل العكس واعتبار دفع الكثير من الضرائب هو الواجب الخيري؟.

وفي الولايات المتحدة هناك مجموعة من المليارديرات من ضمنهم جورج سورس ومؤسس “فيسبوك” المشارك “كريس هيوز” والفيلسوف “ليزيل بريكتزكر” على وشك وضع تلك النظرية موضع التنفيذ.

وفي نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي كتبت هذه المجموعة خطاب مفتوح للمطالبة بفرض ضريبة معتدلة جديدة على أصول أغنى 0.1 بالمائة من الأثرياء.

وفسر الخطاب وجهة النظر تلك بأن ضريبة الثروة قد تساهم في حل أزمة المناخ وتحسين الاقتصاد ووتحسين الدخل وخلق فرص عادلة وتعزيز الحريات.

ويبدو هذا الاتجاه وأنه يلعب على الوتر الحساس، حيث أن ضريبة الدخل أصبحت شعار حملة الديمقراطية إليزابيث وارن والطامحون للرئاسة، واقترحت “وارن” تطبيق ضرائب سنوية 2 بالمائة على هؤلاء ممن يمتلكون 50 مليون دولار أو أكثر من الأصول، متوقعة أن يتسبب ذلك في جمع 2.75 تريليون دولار على مدار عقد من الزمان.

وفي المملكة المتحدة من المحتمل أن تكون ضريبة الثروة خطوة تتسبب في ضياع الأصوات من رئيس الوزراء، مع حقيقة أن بوريس جونسون وجيمي هانت الذين كانا مرشحين لرئاسة الوزراء أعلنا خططاً لخفض الضرائب على الأثرياء وليس زيادتها (فاز جونسون برئاسة وزراء بريطانيا بالفعل).

هل ستنجح ضريبة الثروة إذا كانت اختيارية؟

وتجيب كيت لامبرتون الأستاذة في كلية كاتز للدراسات العليا في إدارة الأعمال، جامعة بيتسبرغ على ذلك السؤال بـ”نعم”، مشيرة إلى أن منح الاختيار لدافعي الضرائب يمكن أن يجعلنا نشعر باتجاه أفضل تجاه هذا الأمر.

والأفكار بشأن اتجاهات أكثر إيثارية وتعاونية بالنسبة للمال تتناغم مع كتابين جديدين لـ”باول كول” و”كولن ماير”، ويقول الأول إن المعاملة بالمثل والتعاون من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي ستحسن العالم، ويقدم ماير حجة مماثلة من منظور الشركات.

وأصبحت الحكومات والشركات وكذلك الأفراد يدركون أخيرًا أنه من مصلحة الجميع التصرف بشكل أفضل وأكثر مسؤولية والنظر إلى ما وراء الربح للقضايا البيئية والاجتماعية وقضايا الحوكمة في كل جانب من جوانب عملياتهم.

ويقول لاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك”: “يتطلع المجتمع بشكل متزايد إلى الشركات العامة والخاصة لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية الملحة”.

ولكن للعودة نحو الأفراد والمانحين فإن دراسة “دن وأكنين ونورثت” تشير إلى أنه من أجل الحصول على أعظم قدر من السعادة فإنك تحتاج إلى أن تدع الأشخاص يعرفون عن أعمالك الخيرية.

وذلك مثلما فعل ديفيد غيلمور عازف الجيتار بفرقة الروك بينك فلويد حينما منح 21 مليون دولار من حصيلة مبيعاته للجيتار إلى “كلاينت إيرث” وهي جمعية غير هادفة للربح مدعماً خزانتهم.

ويفضل بعض فاعلي الخير أن يبقوا بعيد عن الأنظار انطلاق من مخاوفهم بأنهم سيكونون بذلك بعيداً عن صائدي الثروات والجمعيات الخيرية.

أما أن هذه الرؤية تتعارض مع قواعد بعض أسر السواحل الشرقية أو الأسر البريطانية اللذين تعلموا عدم التفاخر بالأعمال الخيرية