سقراط (باللاتينية: Socrates) (باليونانية: Σωκράτης)‏ فيلسوف وحكيم يوناني (470 ق.م – 399 ق.م) فيلسوف يوناني كلاسيكي. يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة الغربية، لم يترك سقراط كتابات، وجل ما نعرفه عنه مستقى من خلال روايات تلامذته عنه. ومن بين ما تبقى لنا من العصور القديمة، تعتبر حوارات “أفلاطون” من أكثر الروايات شموليةً وإلمامًا بشخصية “سقراط”. بحسب وصف شخصية “سقراط” كما ورد في حوارات “أفلاطون”، فقد أصبح “سقراط” مشهورًا بإسهاماته في مجال علم الأخلاق. وإليه تنسب مفاهيم السخرية السقراطية والمنهج السقراطي (أو المعروف باسم Elenchus) . ولا يزال المنهج الأخير مستخدمًا في مجال واسع من النقاشات كما أنه نوع من البيداغوجيا (علم التربية) التي بحسبها تطرح مجموعة من الأسئلة ليس بهدف الحصول على إجابات فردية فحسب، وإنما كوسيلة لتشجيع الفهم العميق للموضوع المطروح. إن “سقراط” الذي وصفه أفلاطون هو من قام بإسهامات مهمة وخالدة لمجالات المعرفة والمنطق وقد ظل تأثير أفكاره وأسلوبه قويًا حيث صارت أساسًا للكثير من أعمال الفلسفة الغربية التي جاءت بعد ذلك

وبكلمات أحد المعلقين المعاصرين، فإن أفلاطون المثالي قدم “مثلًا أعلى، جهبذًا في الفلسفة. قديسًا، نبيًا “للشمس-الإله”، ومدرسًا أُدين بالهرطقة بسبب تعاليمه”. ومع ذلك، فإن “سقراط” الحقيقي مثله مثل العديد من قدامى الفلاسفة، يظل في أفضل الظروف لغزًا وفي أسوأها شخصية غير معروفة.

نبذة عن سقراط
سقراط يلقب أحيانًا بأنه أكثر الرجال حكمة في العالم القديم، فبعد أن عمل في الفن وقتًا قصيرًا، تحول إلى الفلسفة، وثبتت من فوره شهرته كمفكر على جانب كبير من الأصالة والإبداع. وقد ابتدع طريقة للتحقيق والتعليم هي كناية عن سلسلة من الأسئلة تهدف إلى الحصول على تعبير واضح ومتماسك عن شيء يفترض أنه مفهوم ضمنًا من كل البشر.

وكان دائم السعي وراء الحقيقة والاهتمام بجعل مشاكل الحياة المعقدة أسهل على الفهم، ولتحقيق هذه الغاية كان مضطرًا إلى مناقشة الكثير من المعتقدات والتقاليد المسلم بها. الأمر الذي اكسبه الكثير من العداوات.

في حياة بيريكليس كان سقراط في أمان، لأن هذا السياسي الكبير كان معجبًا به كثيرًا، ولكن بعد وفاته شرع أعداء سقراط في الضغط عليه لكي يسحب معظم ما قاله، ولكن لم يقبل بذلك، واستمر بالعمل في الخط الذي رسمه، وما كان يعتقد أن الحاجة تدعو إلى مناقشته، وأخيرًا حكم عليه بتهمة إفساد الشباب. وحكم عليه بالموت بتجرع سم الشوكران القاتل.

السيرة الذاتية

صورة محفورة لـ “سقراط” من العقيق الأحمر – في روما – ترجع للفترة من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن الأول بعد الميلاد

تعلم أسس الفلسفة على يد بارمينيدس وطور نفسه إلى أن أمسى تحت الأرض ولقد وردت التفاصيل الخاصة بحياة سقراط من ثلاثة مصادر حديثة وهي حوارات كل من “أفلاطون” و”زينوفون” (الاثنان من أنصار “سقراط”) ومسرحيات “أريستوفانيس”. وقد وصفه بعض تلاميذه، بما فيهم “إيريك هافلوك” و”والتر أونج”، على أنه مناصر لأساليب التواصل الشفوية حيث وقف أمام الإسهاب غير المقصود الذي تتصف به الكتابة.

وفي مسرحية السحب التي قام “أريستوفانيس” بتأليفها، وصف “سقراط” على أنه مهرج يعلم تلاميذه كيف يتملصون من الديون. وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم أعمال “أريستوفانيس” تتصف بأنها أعمال تحاكي بسخرية أعمال المؤلفين الآخرين. ومن ثم، قد نسلم بأن هذا الوصف لم يكن موضوعيًا وواقعيًا أيضًا. وفقًا لما ذكره “أفلاطون”، اسم والد “سقراط” هو “سوفرونيسكوس” واسم والدته هو “فيناريت” وهي كانت تعمل كقابلة (داية). وعلى الرغم مما ورد عن وصفه بأن شكله كان غير جذاب وأنه كان قصير القامة، تزوج سقراط من “زانثيبي” التي كانت تصغره في السن بكثير. وأنجبت منه ثلاثة أبناء، هم “لامبروكليس” و”سوفرونيسكوس” و”مينيكسينوس”. وقد انتقده صديقه كريتو من ألوبيكا لتخليه عن أبنائه عندما رفض محاولة الهروب قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه. لم يبد واضحًا كيف كان “سقراط” يكسب قوت يومه. ويبدو أن النصوص القديمة أشارت إلى أن “سقراط” لم يكن يعمل. وفي كتاب الندوة للمؤرخ “زينوفون”، نقل عن “سقراط” أنه كان يقول إنه يكرس نفسه للشيء الذي يعتبره أهم فن أو مهنة وهو مناقشة الفلسفة. وفي مسرحية السحب، يصور “أريستوفانيس” “سقراط” على أنه كان يتقاضى مالًا مقابل تعليم الطلاب وإدارة مدرسة سوفسطائية مع “كريفون”، في حين أنه ورد في حواري “دفاع سقراط” و”المأدبة” لـ “أفلاطون” وفي روايات “زينوفون” إنكار “سقراط” الصريح لقبوله أي أموال مقابل تعليم الطلاب. وفي حوار دفاع سقراط على وجه الخصوص، استشهد سقراط بفقره كبرهان على كونه ليس مدرسًا. ووفقًا لما ذكره “تيمون فليوسي” وما ورد في مصادر أحدث، امتهن “سقراط” مهنة نحت الصخور عن والده. ولقد كان هناك اعتقاد في العصور القديمة بأن “سقراط” نحت تماثيل ربات القدر الثلاث (Three Graces) التي ظلت موجودة بالقرب من معبد “أكروبوليس” حتى القرن الثاني بعد الميلاد، ولكن لم يصدق العلم الحديث على صحة هذا الاعتقاد. تشير العديد من حوارات “أفلاطون” إلى الخدمة العسكرية التي أداها “سقراط”. يقول “سقراط” إنه خدم في الجيش الأثيني خلال ثلاث معارك، وهي بوتيديا وأمفبوليس وديليوم. وفي حوار “المأدبة”، وصف “ألكيسيبياديس” شجاعة وبسالة “سقراط” في معركتي “بوتيديا” و”ديليوم” وذكر كيف أن “سقراط” أنقذ حياته في معركة “بوتيديا” (219e – 221b). كما ورد الأداء الرائع الذي أداه “سقراط” في معركة “ديليوم” ضمن حوار “لاكاس” (أو الشجاعة باللغة الإنجليزية) من قبِل الجنرال الذي سمي الحوار على اسمه (181b). وفي حوار “دفاع سقراط”، يقارن “سقراط” بين خدمته العسكرية ومعاناته التي واجهها في قاعة المحكمة ويقول إنه إذا كان هناك في هيئة المحلفين من يعتقد أنه يجب أن ينسحب ويتخلى عن الفلسفة، فينبغي لهذا الشخص أن يفكر أيضًا في أنه لا بد للجنود أن تنسحب من المعركة عندما يبدو لهم أنهم سيُقتلون فيها.

في عام 406، كان “سقراط” عضوًا في مجلس الشيوخ اليوناني وكان قومه – قوم Antiochis – هي التي عقدت مجلس المحاكمة في اليوم الذي شهد إعدام الجنرالات الذين شاركوا في معركة أرجنوسي لأنهم تخلوا عن القتلى والناجين من السفن الغارقة من أجل مطاردة الأسطول الإسبارطي المنهزم واللحاق به. وكان “سقراط” أحد الأعضاء الرئيسيين بالمجلس وعارض المطلب غير الدستوري الذي اقترحه “كاليكسنيس” بعقد محاكمة جماعية لإدانة جميع الجنرالات الثمانية. في آخر الأمر، رفض “سقراط” أن يذعن للتهديدات التي وجهت إليه بأن يتم حتفه في السجن وأن يتم اتهامه بالتقصير وأعاق التصويت الجماعي حتى انتهى مجلس محاكمته في اليوم التالي والذي شهد إدانة الجنرالات والحكم عليهم بالإعدام. وفي عام 404 سعى حكومة الطغاة الثلاثين لأن يضمنوا ولاء من عارضوهم وذلك بتوريطهم وإشراكهم فيما يقومون من أفعال. فقد طلب من “سقراط” وأربعة آخرين أن يحضروا حاكم مدينة سلاميز من منزله لتنفيذ حكم إعدام غير عادل عليه. رفض “سقراط” بهدوء، ولم يحل دون إعدامه سوى الإطاحة بحكم الطغاة الثلاثين التي وقعت في وقت لاحق، وقبل أن يحكم عليه القضاة بالإعدام قال سقراط لن أرفض فلسفتي إلى أن ألفظ النفس الأخير.

لقد عاش “سقراط” في الفترة الانتقالية فيما بين ازدهار الحكم الاثيني وانهياره حينما هزم أمام مدينة أسبرطة وحلفائها في معركة البلوبونيز. وفي الوقت الذي سعت فيه مدينة “أثينا” وراء الاستقرار واستعادة مكانتها بعد الهزيمة المخزية التي لحقت بها، ربما قد استمتع الأثينيون بالشكوك التي دارت حول الديمقراطية كصورة فعالة للحكم. ولقد بدا أن “سقراط” من الأشخاص كثيري الانتقاد للديمقراطية وقد فسر بعض تلاميذه المحاكمة التي عقدت له كتعبير عن صراع سياسي محتدم. وعلى الرغم من ادعاء “سقراط” بأنه يبدي الولاء لمدينته لدرجة بلغت تحديه للموت، تعارض كل من سعي “سقراط” وراء الفضيلة والتزامه الصارم بالحقيقة مع النهج الحالي للمجتمع الأثيني وسياساته. لقد أثنى في حوارات عديدة على “أسبرطة” وهي المنافس الرئيسي لـ “أثينا”، سواءً أكان ذلك بصورة مباشرة أم غير مباشرة. ومع ذلك، لقد مثل موقفه كناقد اجتماعي وأخلاقي أكثر المناحي التي تجلت فيها الانتقادات والإساءات التاريخية التي أبداها “سقراط” نحو المدينة. فبدلًا من أن يؤيد الوضع الراهن ويقبل بسيادة الأعمال الا أخلاقية في منطقته، عمل “سقراط” على تقويض المفهوم الجماعي الذي انتهجه الآخرون والذي شاع للغاية في اليونان خلال تلك الفترة، ألا وهو “إن القوة تصنع العدل”. ويشير “أفلاطون” إلى “سقراط” بوصفه ذبابة الخيل في المدينة (فذبابة الخيل تلدغ الخيل فتحثها على القيام بفعل ما، وبالمثل كان “سقراط” يحث “أثينا” على اتخاذ فعل ما عن طريق لدغها بالانتقادات)، لدرجة أنه أرق الحكام وكان يحثهم دائمًا بأنهم يجب عليهم مراعاة تحقيق العدل والسعي وراء الخير. فالأمر بلغ أن محاولاته لتغيير مفهوم العدل الذي ينتهجه الأثينيون كانت السبب وراء الحكم عليه بالإعدام.

ووفقًا لما جاء في حوار “دفاع سقراط” لأفلاطون، بدأت حياة “سقراط” بوصفه “ذبابة الخيل” في أثينا عندما سأل “كريفون” – وهو صديق “سقراط” – مهبط الوحي في مدينة “دلفي” هل في الناس من هو أعقل من سقراط وأكثر حكمة منه؟ فأجاب مهبط الوحي بأنه ما من شخص أكثر حكمة منه. وكان “سقراط” يعتقد بأن ما قاله مهبط الوحي يحوي قدرًا كبيرًا من التناقض (المفارقة)، لأنه كان يعتقد أنه ليس لديه أية حكمة على الإطلاق. فقرر أن يحل هذا اللغز بأن يدنو من الرجال الذين كان أهل مدينة “أثينا” يعتبرونهم من الحكماء مثل رجال الدولة والشعراء والصناع المهرة، وذلك لكي يفند رأي مهبط الوحي. وحينما طرح “سقراط” عليهم مجموعة من الأسئلة، توصل إلى أنه في الوقت الذي كان فيه كل واحد منهم يعتقد أنه ذو شأن وحكيم للغاية هو في الحقيقة قليل المعرفة للغاية وغير حكيم على الإطلاق. حينئذ أدرك “سقراط” أن مهبط الوحي كان محقًا في رأيه، ولأنه أدرك أنه في حين يعتقد هؤلاء الرجال بأنهم حكماء وهم ليسوا كذلك، عرف أنه هو نفسه غير حكيم على الإطلاق، وبالتالي، ومن هذا التناقض، يكون هو الأكثر حكمة لأنه الوحيد الذي أدرك جهله. وهذه الحكمة التناقضية التي توصل إليها “سقراط” أظهرت أبرز الأثينيين الذين تحاور معهم كحمقى، وبالتالي انقلبوا عليه واتهموه بالإثم. وقد دافع “سقراط” عن دوره كذبابة الخيل التي تحث أثينا حتى آخر حياته، فعندما طلب منه في محاكمته أن يقترح أسلوب العقاب الذي يتلقاه، اقترح أنه لا يستحق العقاب بل يجب أن يثاب ويرى بأن حقه أن يحصل على مكافأة وهي أن يعيش بقية أيامه على نفقة الدولة كسبيل لمنحه ما يستحقه لقضائه الوقت سعيًا وراء إفادة الأثينيين. ومع ذلك، أدين بتخريبه لعقول الشباب الأثينيين وتم الحكم عليه بالإعدام عن طريق تناول شراب معد من نبات الشوكران السام.

ووفقًا لما جاء في رواية “زينوفون”، ألقى “سقراط” عن عمد دفاعًا جريئًا أمام هيئة المحلفين، لأنه كان يعتقد أنه من الأفضل له أن يموت. ويواصل “زينوفون” حديثه ليصف دفاع “سقراط” والذي يوضح قسوة العهد القديم وكيف كان “سقراط” سعيدًا لأنه سيهرب من هذه القسوة بإعدامه. كما يفهم ضمنًا من وصف “زينوفون” أن “سقراط” تمنى أيضًا الموت لأنه كان يعتقد فعليًا أن الوقت المناسب قد حان لأن يفارق الحياة.

ويتفق أفلاطون وزينوفون على أن “سقراط” كانت لديه الفرصة للهرب، حيث كان بإمكان تابعيه أن يقدموا رشوة لحراس السجن. لكنه اختار البقاء لعدة أسباب هي:

  1. لأنه كان يعتقد أن الهروب قد يشير إلى خوفه من الموت وهو الخوف الذي اعتقد بأنه لا وجود له لدى أي فيلسوف حقيقي.
  2. لأنه لو هرب من أثينا، لن تلقى تعاليمه أي نجاح في مدينة أخرى لأنه سيستمر في محاورة كل من يقابلهم وسيثير استياءهم بالطبع.
  3. ولأنه وافق- على نحو متعمد- على أن يعيش بالمدينة ويخضع لقوانينها، فهو قد أخضع نفسه ضمنيًا لاحتمالية أن يتهمه أهل المدينة بارتكاب بالجرائم وأن يدان من قبل هيئة المحلفين. ولو قام بما ينافي ذلك، ذلك ليعني أنه يخرق العقد الاجتماعي الذي وقعه مع الدولة وبالتالي سيسبب ضررًا لها ومثل هذا التصرف ينافي المبادئ التي ينتهجها “سقراط”.

وكانت الأسباب والحجج التي تكمن وراء رفضه الهروب موضع اهتمام حوار “كريتو” لأفلاطون. وقد تم وصف وفاة “سقراط” في نهاية حوار “فيدون” لـ “أفلاطون”. وفيه رفض “سقراط” الحجج التي قدمها “كريتو” كذريعة لمحاولة الهروب من السجن. وبعد أن تجرع السم، أصدر له أمر بأن يمشي حتى يشعر بتنميل في القدمين. وبعد أن استقلى على السرير، قام الرجل الذي منحه السم بالضغط بشكل مؤلم على قدميه. لم يعد “سقراط” يشعر بقدميه. وتسرب فقد الإحساس بأعضاء جسمه ببطء خلال جسمه حتى وصل إلى قلبه. وقبل أن يقضي نحبه بفترة قصيرة، تحدث “سقراط” إلى “كريتو” قائلاً: “أنا مدين إلى “أسكليبوس”. رجاءً لا تنس أن تدفع له هذا الدين”. و”أسكليبوس” هو إله الطب عند الإغريق ومن المحتمل أن الكلمات الأخيرة لـ”سقراط” كانت تعني أن الموت هو شفاء للروح وتحررها من الجسد. وقد حاول الفيلسوف الروماني “سنيكا” أن يحاكي وفاة “سقراط” بالسم حينما أجبره الحاكم “نيرون” على الانتحار.

المنهج السقراطي

طريقة سقراط

على الأرجح تتمثل أكثر إسهامات “سقراط” أهميةً في الفكر الغربي في منهج الجدل والتداول القائم عن طريق الحوار، وهو المنهج المعروف أيضًا السقراطي أو “أسلوب إلينخوس” (والتي تعني مجادلة) وقد قام “سقراط” بتطبيق هذا المنهج في دراسة مفاهيم أخلاقية أساسية مثل الخير والعدالة. وكان أفلاطون أول من وصف المنهج السقراطي في “الحوارات السقراطية”. فلحل مشكلة ما، قد يتم تحليلها إلى مجموعة من الأسئلة والتي تعمل إجاباتها تدريجيًا على الوصول إلى الحل المنشود. ويتجلى تأثير هذا المنهج بشدة اليوم في استخدام المنهج العلمي والذي لا تكون مرحلة الافتراض أول مراحله. ويعد تطوير هذا المنهج وتوظيفه من أبرز الإسهامات المستمرة لـ”سقراط” كما أنهما شكلا عاملًا رئيسيًا في ارتداء “سقراط” لعباءة مؤسس الفلسفة السياسية أو علم الأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية، وفي تميزه كأبرز الشخصيات في كل الموضوعات الرئيسية المتعلقة بالفلسفة الغربية. لتوضيح استخدام المنهج السقراطي، تم طرح مجموعة من الأسئلة لمساعدة شخص أو مجموعة من الأشخاص على تحديد معتقداتهم الأساسية ومدى معارفهم. والمنهج السقراطي هو منهج سلبي قائم على التخلص من الافتراضات، والذي يكون بالعثور على الافتراضات الجيدة عن طريق تحديد الافتراضات غير الجيدة والتي تؤدي إلى التناقضات ثم التخلص منها. وقد تم تصميم هذا المنهج بحيث يجبر المرء على مراجعة معتقداته وتحديد مدى صحتها. وفي الواقع، قال “سقراط” ذات مرة: “أعرف أنكم لن تصدقوني ولكن أبرز صور التفوق الإنساني هي مساءلة الذات ومساءلة الآخرين”.

معتقدات “سقراط” الفلسفية

من الصعب تمييز معتقدات “سقراط” عند فصلها عن معتقدات “أفلاطون”. فليس لدى الاستدلال المادي الكثير الذي يمكن به التمييز بين معتقدات هذين الفيلسوفين. فإن “أفلاطون” هو من وضع النظريات المطولة الواردة في معظم حواراته وبعض العلماء يعتقدون أن “أفلاطون” انتهج الأسلوب السقراطي بشدة لدرجة جعلت من المستحيل التمييز بين الشخصية الأدبية والفيلسوف نفسه. وجادل آخرون بأن لـ “أفلاطون” نظريات ومعتقدات خاصة به ولكن أثير جدل كبير حول ماهية هذه النظريات والمعتقدات بسبب صعوبة فصل معتقدات “سقراط” عن معتقدات “أفلاطون” وصعوبة تفسير حتى الكتابات الدرامية المتعلقة بـ “سقراط”. لذا، ليس من السهل التمييز بين المعتقدات الفلسفية الخاصة بـ “سقراط” عن تلك التي انتهجها “أفلاطون” و”زينوفون”، ولا بد أن نتذكر أن ما قد يتم نسبه لـ “سقراط” قد يعكس عن كثب الاهتمامات المحددة لهذين المفكرين. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو حقيقة أن شخصية “سقراط” التاريخية اشتهرت على نحو سلبي بطرحها للأسئلة دون الإجابة عنها، مدعيين بذلك أنها تفتقر إلى الحكمة في الموضوعات التي تطرح على الآخرين أسئلة بشأنها. وبصفة عامة، إذا كان هناك ما يمكن ذكره عن المعتقدات الفلسفية لـ “سقراط”، فهو أنها كانت تتعارض أخلاقيًا وفكريًا وسياسيًا مع رفقائه الأثينيين. فحينما كانت تتم محاكمته لإدانته بالهرطقة وتخريب عقول شباب “أثينا”، استخدم “سقراط” منهجه السقراطي أو ما يعرف بأسلوب “إلينخوس” لكي يشرح لأعضاء هيئة المحلفين أن قيمهم الأخلاقية معتمدة على أفكار غير صحيحة. لقد أخبرهم أنه في الوقت الذي من المفترض أن يهتموا بنقاء أرواحهم، كانوا يبدون الاهتمام فقط بعائلاتهم وأعمالهم ومسئولياتهم السياسية. ولقد بدا أن اعتقاد “سقراط” بافتقار نفوس الأثينيين للأخلاقية واقتناعه بأن الآلهة قد اختارته كرسول سماوي كانا مصدر إزعاج للأثينيين – إن لم يثيران سخريتهم. كما اعترض “سقراط” على المذهب السوفسطائي بأن الفضيلة يمكن تعليمها للآخرين. لقد أحب أن يلاحظ أن الآباء الناجحين (مثل الجنرال العسكري البارز “بريكليز”) لا ينجبون أبناءً يماثلونهم في المهارة والتفوق. وجادل “سقراط” بأن التفوق الأخلاقي يعد بمثابة شيء فطري وليس مرتبطًا بالرعاية التي يوفرها الوالدان لأبنائهم. وقد يكون هذا الاعتقاد هو الذي ساهم في عدم شعور “سقراط” بالقلق تجاه مستقبل أبنائه. كثيرًا ما ذكر “سقراط” أن أفكاره ليست من نسجه وإنما من نسج معلميه. ولقد ذكر “سقراط” عدة أشخاص كان قد تأثر بهم ومنهم “بروديكوس” مدرس علم البيان والعالم “أناكسوجوراس”. وما قد يثير الدهشة هو أن “سقراط” ذكر أنه قد تأثر بشدة بسيدتين إلى جانب تأثره بوالدته، فقد قال إن “ديوتيما” الساحرة والكاهنة في مدينة “مانتيني” قد علمته كل ما يعرفه عن الحب (والمعروف باليونانية باسم eros)، كما علمته “آسبازيا” – وهي معلمة الجنرال العسكري “بريكليز” – علم البلاغة. Plato، وقد جادل “جون بيرنت” بأن المعلم الرئيسي لـ”سقراط” كان “أناكسوجوراين أرشيلوس” ولكن أفكاره كانت كما وصفها. وعلى الجانب الآخر، رأى “إيريك هافلوك” أن ارتباط “سقراط” بالمعلم “أناكسوجوراين” يعد دليلاً على اختلاف المعتقدات الفلسفية لـ “أفلاطون” عن تلك التي ينتهجها “سقراط”.

المعرفة

غالبًا ما كان “سقراط” يذكر أن حكمته مقصورة على إلمامه بما يتصف به من جهل. وكان “سقراط” يؤمن بأن ارتكاب الأخطاء هو نتيجة للجهل وأن من يرتكبون الأخطاء يفتقرون إلى معرفة ما هو صحيح. والشيء الوحيد الذي ادعى “سقراط” باستمرار أن لديه معرفة به هو “فن الحب” والذي ربط بينه وبين مفهوم “حب الحكمة”، أي الفلسفة. إنه لم يدع قط أنه حكيم، ولكنه أدرك المسار الذي لا بد أن يسلكه محب الحكمة في سعيه وراء الحكمة. ولقد كان التوصل إلى ما إذا كان “سقراط” يؤمن بأن البشر (في مواجهة الآلهة مثل الإله أبولو) بإمكانهم بالفعل أن يصبحوا حكماء أم لا أمرًا محل جدال. فمن ناحية فرق “سقراط” بين الجهل البشري والمعرفة المثلى. ومن ناحية أخرى، وصف “أفلاطون” في كل من حوار “المأدبة” و“الجمهورية” منهجًا يمكن به الوصول إلى الحكمة. وفي حوار “ثيئيتيتس” (150a) لـ “أفلاطون”، قارن “سقراط” نفسه بصانع الزيجات (والمعروف في اليونانية باسم προμνηστικός promnestikós) كسبيل لتمييز نفسه عن القواد (والمعروف في اليونانية باسم προᾰγωγός proagogos). ولقد لاقى هذا التمييز صداه في حوار “المأدبة” لزينوفون (3.20)، حينما مزح “سقراط” بشأن تيقنه من قدرته على كسب ثروة طائلة إذا اختار أن يمارس مهنة القواد. وفيما يتعلق بتميز “سقراط” كمحاور فلسفي، فإنه يرشد الشخص الذي يجيب عن أسئلته إلى تصور أوضح للحكمة، وذلك على الرغم من أن “سقراط” نفسه يدعي أنه ليس مدرسًا (حوار “دفاع سقراط”). فكما يدعي، من الأنسب أن ينظر لدوره كدور مماثل للقابلة (ويطلق عليها في اليونانية اسم μαῖα maia. ويوضح “سقراط” أنه نبع ناضب من النظريات ولكنه يعرف كيف يساعد الآخرين على وضع النظريات كما يعرف كيف يحدد ما إذا كانت هذه النظريات مجدية أم غير مجدية والتي تعرف بالإنجليزية باسم wind eggs وتعرف باليونانية باسم ἀνεμιαῖον anemiaion وربما يكون الأمر الأهم هو أنه أوضح أن القابلة (الداية) تكون عاقرة بسبب كبر سنها في حين أن السيدات اللاتي لم تنجبن قط لا تستطعن أن تعملن كقابلات، فالمرأة العاقرة حقًا ليس لديها خبرة أو معرفة بعملية الولادة والقرارات التي يجب اتخاذها. وللحكم على ذلك الأمر، لا بد أن تكون لدى القابلة خبرة ومعرفة بما ستصدر أحكامًا بشأنه

اعتقد “سقراط” بأن أفضل طريقة يحيا بها البشر هي أن يركزوا على تطوير الذات بدلاً من السعي وراء الثروة المادية. وقد كان دائمًا ما يدعو الآخرين لمحاولة التركيز على الصداقات وعلى الإحساس بالمجتمع الحقيقي، لأن “سقراط” شعر بأن هذه هي الطريقة الفضلى لكي ينمو البشر كمجموعة. وقد وصل تطبيقه لهذه المبادئ إلى درجة أنه قبل في نهاية حياته الحكم بالإعدام في الوقت الذي ظن فيه الجميع أنه سيغادر أثينا هربًا منه، وذلك لأنه شعر بعدم القدرة على الهروب أو معارضة إرادة مجتمعه؛ وكما ذكرنا من قبل كانت بسالته المعروفة في أرض المعركة لا جدال فيها.

إن فكرة أن البشر يملكون فضائل معينة كانت تشكل ميزة مشتركة في كل تعاليم “سقراط”. وتمثل هذه الفضائل السمات التي يجب أن يحظى بها كل إنسان، وعلى رأسها الفضائل الفلسفية أو العقلية. وقد أكد “سقراط” على أن “الفضيلة هي أقيم ما يملكه الإنسان؛ والحياة المثالية هي تلك الحياة التي تنقضي في البحث عن الخير. وتكمن الحقيقة وراء ظلال الوجود، ومهمة الفيلسوف هي التي يوضح للآخرين مدى ضآلة ما يعرفون بالفعل.”

السياسة

غالبًا ما يقال أن “سقراط” كان يؤمن بأن “المثاليات تنتمي لعالم لا يستطيع فهمه إلا الإنسان الحكيم”، مما يجعل الفيلسوف هو الشخص الوحيد المناسب للتحكم في الآخرين. وفي حوار أفلاطون “الجمهورية”، لم يكن “سقراط” مرنًا أبدًا بخصوص معتقداته فيما يتعلق بالحكومة. فاعترض بشكل صريح على الديمقراطية التي حكمت “أثينا” في ذلك الوقت. ولكنه لم يعترض فقط على الديمقراطية في “أثينا”: وإنما اعترض على أي شكل من أشكال الحكومات الذي لا يتواءم مع أفكاره المثالية عن جمهورية كاملة يحكمها الفلاسفة، وقد كانت الحكومة في “أثينا” أبعد ما تكون عن هذه الحال. إلا أن من الممكن أن تكون أقوال “سقراط” المذكورة في حوار أفلاطون “الجمهورية” مصبوغة بآراء أفلاطون نفسه. في السنوات الأخيرة من حياة “سقراط”، كانت أثينا تمر بتغيرات مستمرة نتيجة للاضطرابات السياسية. وأخيرًا أطاحت حكومة “الطغاة الثلاثون”، بالديمقراطية. وكان يقود هذه الحكومة “كريتياس” أحد أقرباء “أفلاطون” والذي كان تلميذًا من تلامذة “سقراط”. وظلت حكومة الطغاة تحكم “أثينا” قرابة عام قبل أن تعود الديمقراطية لتتقلد الحكم مرة ثانية، وفي هذا الوقت أعلنت هذه الحكومة العفو العام عن جميع الأفعال التي قامت بها مسبقًا.

غالبًا ما تُنكَر معارضة “سقراط” للديمقراطية، كما أن هذه المسألة تعد من الموضوعات الفلسفية المثيرة للجدل عند محاولة تحديد الأفكار التي آمن بها “سقراط” بالفعل. ومن أهم الحجج التي يسوقها هؤلاء الذين يزعمون عدم إيمان “سقراط” بفكرة الحكام الفلاسفة هي أن هذه الفكرة لم يتم التعبير عنها قط قبل حوار “الجمهورية” لـ “أفلاطون”، الذي يعتبر بشكل عام أحد حوارات أفلاطون المتوسطة ولا يمثل آراء “سقراط” التاريخية. علاوة على ذلك، وطبقًا لما ورد في أحد حوارات “أفلاطون” المتقدمة “دفاع “سقراط” أن “سقراط” رفض ممارسة السياسة التقليدية؛ وأقر بشكل متكرر أنه لا يستطيع النظر في شئون الآخرين أو إخبار الناس كيف يعيشون حياتهم في حين إنه لم يستطع حتى الآن فهم كيف يعيش حياته هو. لقد كان “سقراط” يؤمن بأنه فيلسوف همه الأكبر هو السعي وراء الحقيقة، ولم يدع أنه عرفها بشكل كامل. كما أن قبول “سقراط” لحكم الإعدام الذي صدر ضده بعد إدانته من مجلس الشيوخ اليوناني، يمكن أيضًا أن يدعم هذا الرأي. ومن المعتقد غالبًا أن معظم التعاليم المضادة للديمقراطية كانت من “أفلاطون”، الذي لم يتمكن يومًا من التغلب على سخطه عما حدث لمعلمه. على أية حال، من الواضح أن “سقراط” كان يعترض على حكم الطغاة الثلاثين تمامًا كاعتراضه على الديمقراطية؛ وعندما استدعي للمثول أمامهم للمساعدة في القبض على أحد المواطنين من “أثينا”، رفض “سقراط” أن يقوم بهذا وفر من الموت بأعجوبة، وكان هذا قبل أن يطيح الديمقراطيون بجماعة الطغاة. ومع ذلك، فقد تمكن “سقراط” من تأدية واجبه كعضو في مجلس الشيوخ الذي عقد محاكمة لمجموعة من الجنرالات الذين قادوا معركة بحرية مدمرة؛ وحتى عندئذ كان يحتفظ بتوجهه غير المرن؛ إذ كان أحد هؤلاء الذين رفضوا المواصلة بطريقة لا تدعمها القوانين، على الرغم من الضغط الشديد. ومن خلال تصرفاته وأفعاله، نستطيع القول إنه كان ينظر إلى حكم الطغاة الثلاثين بوصفه حكمًا أقل شرعية من مجلس الشيوخ الديمقراطي الذي حَكَم عليه بالإعدام.

التصوف

في حوارات “أفلاطون”، يبدو أن “سقراط” كان دائمًا ما يدعم الجانب المتصوف، إذ يناقش مسألة التقمص والأديان الغامضة؛ إلا أن هذا كان ينسب بشكل عام لـ “أفلاطون”. وبغض النظر عن ذلك، فإننا لا نستطيع تجاهل هذا الموضوع، لأنه ليس في وسعنا التأكد من الاختلافات بين وجهات نظر “أفلاطون” و”سقراط”؛ بالإضافة إلى أنه يبدو أن هناك بعض النتائج الطبيعية في أعمال “زينوفون”. ففي ذروة الطريق الفلسفي كما هو موضح في حواري “المأدبة” و”الجمهورية” لـ”أفلاطون”، يصل المرء إلى بحر الجمال (وهي مرحلة الوصول إلى أعلى مراتب الحقيقة عند الصوفيين ومن يزعم أنه يصل إلى هذه المرحلة غالبًا ما يقول إن الحقيقة تنصهر في بوتقة واحدة أو بحر واسع تذوب فيه كل الاختلافات وهي مصدر كل جمال) أو يصل إلى رؤية شكل الخير في تجربة أشبه بالكشف الصوفي؛ وعندها فقط يمكن أن يصبح المرء حكيمًا. (في حوار “المأدبة”، يعزي “سقراط” خطابه بخصوص الطريق الفلسفي إلى أستاذته الكاهنة “ديوتيما”، التي لم تكن واثقة حتى من أن “سقراط” يستطيع الوصول إلى الألغاز الكبرى أم لا.) أما في حوار “مينون”، فقد أشار “أفلاطون” إلى احتفالات “أثينا” بطقوس عبادة الإلهين “ديميتر” و”بيرسيفون”، مخبرًا “مينون” إنه سيفهم أجوبة “سقراط” بشكل أفضل إذا ما بقى حتى ميعاد هذه المراسم في الأسبوع القادم. وثمة ارتباك ينتج عن طبيعة هذه المصادر، لدرجة أن هناك جدلاً حول ما إذا كانت الحوارات الأفلاطونية هي أحد أعمال فيلسوف فنان، ولا يستطيع القارئ العادي أو حتى المثقف فهم المعنى بسهولة. وقد كان “أفلاطون” نفسه مؤلفًا للمسرحيات قبل أن يتجه إلى دراسة الفلسفة. وتعتبر أعماله، بالفعل، حوارات؛ واختيار “أفلاطون” لهذه الحوارات إلى جانب أعمال “سوفوكليس” و”إيريبيدوس” وأدب المسرح، ربما يعكس الطبيعة التأويلية لأعماله. والأكثر من ذلك هو أن الكلمة الأولى في معظم أعمال “أفلاطون” هي مصطلح وثيق الصلة بهذه الدراسة بعينها، وهي تتوافق مع التعريف المتفق عليه بالإجماع. وأخيرًا، فإن حواري “فايدروس” و“المأدبة” يشيران إلى توصيل “سقراط” للحقائق الفلسفية في المحادثات بشكل غامض؛ ويتضح أيضًا في حوار “فايدروس” أن “سقراط” يتصف بالغموض في كل الكتابات. والتصوف الذي نجده غالبًا في “أفلاطون” والذي يظهر في أكثر من مكان ويتخفى وراء الرمز والسخرية، غالبًا ما يكون مختلفًا مع التصوف الذي يقدمه “سقراط” في كتابات “أفلاطون” في بعض الحوارات الأخرى. إذا ما استعنا بالحلول التصوفية التي أوردها سقراط في الإجابة عن التساؤلات والتحليلات في وقتنا الحالي، فإنها ستفشل في الإجابة عنها وستفشل في إرضاء القراء المتعطشين لمعرفة إجابات عن هذه التساؤلات. ولكن سواء ستفشل هذه الحلول التصوفية في إرضاء القراء الواعين والمدركين لهذه الحلول أم لا تعد مسألة أخرى، ولكن من المحتمل أنها ستفشل أيضًا.

ربما كان من أكثر الأشياء الممتعة في هذا الموضوع هو اعتماد “سقراط” على ما كان يطلق عليه اليونانيون جني سقراط أو “وحي دلفي” (وهو صوت يهتف به جني متلبس بسقراط كي يمنعه من ارتكاب خطأ ما وفي اليونانية، يُعرف باسم ἀποτρεπτικός apotreptikos). وكان هذا هو صوت الجني الذي يمنع “سقراط” من الدخول في السياسة. وفي حوار “فايدروس”، قيل لنا إن “سقراط” كان يعتبر هذا شكلاً من أشكال “الجنون المقدس”، نوع من الجنون الذي يعتبر هبة من الآلهة والذي يمنحنا الشعر والتصوف والحب وحتى الفلسفة. أو يمكننا القول إن هذا الصوت الداخلي غالبًا ما ينظر إليه بوصفه “الحدس”، ومع ذلك فإن تسمية”سقراط” لهذه الظاهرة باسم “جني سقراط” يعني أن أصلها غامض ومنفصل عن أفكاره الخاصة. مقطع فديو عن سقراط على يوتيوب

مؤلفو المسرحيات الهزلية

سخر الكاتب المسرحي “أريستوفانيس” في مسرحيته الكوميدية “السحب” من “سقراط” بشكل واضح، وقد أنتجت هذه المسرحية حينما كان “سقراط” في منتصف العقد الرابع من عمره؛ وقد قال “سقراط” في محاكمته (طبقًا لما ورد على لسان “أفلاطون”) أن ضحك الجمهور في المسرح تعد مهمة أصعب في الرد عليها من ادعاءات هؤلاء الذين اتهموه. وقد اعتقد “سورين كيركغور” أن هذه المسرحية كانت تعتبر بمثابة تمثيل أدق لـ “سقراط” من تلك التي كتبها تلامذته. وقد انتقد “سقراط” في هذه المسرحية على قذارته، التي كانت شائعة بين سكان مدينة لاكونيا في ذلك الوقت، وكذلك في مسرحيات أخرى كتبها “كالياس” و”إيوبوليس” و”تليكليدس”. وفي كل هذه المسرحيات، انتقد “سقراط” والسوفسطائيين بشدة على “الأخطاء الأخلاقية المتأصلة في الأفكار والأدب المعاصر”.

المصادر النثرية

يعتبر “أفلاطون” و”زينوفون” و”أرسطو” هم المصادر الأساسية لمعرفة تاريخ “سقراط”؛ إلا أن “زينوفون” و”أفلاطون” كانا من التابعين الذين تتلمذا على يد “سقراط”، وبالتالي فإنهم يضعونه في صورة مثالية؛ ومع ذلك، فإن ما كتبوه عن “سقراط” يعتبر هو المصدر الوحيد الذي وصل إلينا كأوصاف متواصلة لـ “سقراط”. أما “أرسطو” فقد كان يشير من آن لآخر، بشكل عابر، لـ “سقراط” في كتاباته. وجدير بالذكر إن معظم أعمال “أفلاطون” كانت تتمحور حول “سقراط”. ولكن يبدو أن أعمال “أفلاطون” الأخيرة كانت فلسفته الخاصة ولكنه وضعها على لسان معلمه.

الحوارات السقراطية

إن الحوارات السقراطية هي عبارة عن سلسلة من الحوارات التي كتبها “أفلاطون” و”زينوفون” على شكل مناقشات بين “سقراط” وأشخاص آخرين من زمنه، أو مناقشات بين تابعي “سقراط” حول مفاهيمه وأفكاره. ويعتبر حوار “فيدون” الخاص بـ “أفلاطون” مثالًا على الفئة الأخيرة. وعلى الرغم من أن حوار “دفاع سقراط” يعتبر مونولوج على لسان “سقراط”، فإنه عادةً ما يوضع في زمرة الحوارات. ويعتبر حوار “دفاع سقراط” تسجيلًا للخطاب الفعلي الذي ألقاه “سقراط” أثناء دفاعه عن نفسه في المحكمة. ويتكون الدفاع في نظام المحلفون الأثيني من ثلاثة أجزاء: خطاب متبوعًا بتقييم أو دفاع مضاد عن نفسه ثم بعض الكلمات الأخيرة. إن المرادف الإنجليزي لحوار “دفاع سقراط” هو apology والمرادف اليوناني له هو apologia، ولكنه ليس مصطلحًا مستخدمًا في وقتنا الحالي. بشكل عام، لا يضع “أفلاطون” أفكاره الخاصة على لسان متحدث بعينه؛ وإنما يترك الأفكار لتنبثق من خلال المنهج السقراطي، تحت إشراف “سقراط”. وتوضح معظم الحوارات أن “سقراط” يطبق هذا المنهج إلى حد ما، ولا أدل على ذلك من حوار “يوثيفرو”. في هذا الحوار، يمر “سقراط” و”إيوثيفرو” بتأكيدات متعددة لتنقيح الإجابة عن سؤال “سقراط” “ما التقي وما العاصي؟” في حوارات “أفلاطون”، يبدو التعلم وكأنه عملية تذكر. إن الروح، قبل أن تتجسد في جسد الإنسان، كانت في عالم الأفكار (وهو عالم شبيه بالأفكار الأفلاطونية). وهناك كانت ترى الأشياء على حقيقتها، وليس الظلال الباهتة أو النسخ التي نراها على الأرض. ومن خلال عملية الاستجواب، يمكن أن نجعل الروح تتذكر الأفكار في شكلها النقي، الأمر الذي يؤدي إلى الحكمة. وبالنسبة لكتابات “أفلاطون” التي تشير إلى “سقراط” بشكل خاص، ليس من الواضح دائمًا أي من الأفكار التي يثيرها “سقراط” (أو اصدقاؤه) هي في الحقيقة تخص “سقراط” وأيها ربما يكون إضافات جديدة أو تفسيرات وضعها “أفلاطون” – ويعرف هذا ببالمشكلة السقراطية. وبشكل عام، تعتبر الأعمال الأولى لـ “أفلاطون” قريبة إلى روح وشخصية “سقراط”، في حين إن الأعمال الأخيرة له – بما فيها حواري “فيدون” و“الجمهورية” – من المحتمل أن تكون نتيجة لتفسيرات “أفلاطون”.

التراث

التأثير الفوري

على الفور انطلق تلامذة “سقراط” إلى العمل على تطبيق تصوراتهم لتعاليم “سقراط” في السياسة وأيضًا على تطوير الكثير من المدارس الفلسفية الجديدة للتفكير. لقد كان بعض طغاة “أثينا” المثيرين للجدل والمعارضين للديمقراطية من تلامذة “سقراط” المعاصرين أو غير المعاصرين له ومن ضمنهم “ألكيبيادس” و”كريتياس”. وقد واصل “أفلاطون”، ابن عم “كريتياس” تأسيس مدرسته التي أطلق عليها “الأكاديمية” في عام 385 قبل الميلاد – والتي حظيت بشهرة واسعة لدرجة أن اسمها أصبح كلمة تعني مؤسسة تعليمية في اللغات الأوروبية الحديثة مثل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية. أما عن “أرسطو”، تلميذ “أفلاطون” وصديقه، والذي يعد من الشخصيات شديدة الأهمية في العصر الكلاسيكي، فقد ذهب لتعليم “الإسكندر الأكبر” وأسس مدرسة خاصة به في عام 335 قبل الميلاد والتي أطلق عليها الليسيه، وقد أصبح هذا الاسم أيضًا يعني الآن مؤسسة تعليمية. في حين تم إظهار “سقراط” على أنه يقلل من شأن المعرفة المؤسسية مثل الرياضيات أو العلوم مقارنة بالظروف الإنسانية في حواراته، فإن “أفلاطون” أكد عليها مضيفًا إليها معنى تجريدي يعكس ذلك الخاص بـ “فيثاغورس” – الذي سيطر على الفكر الغربي في عصر النهضة. كما أن “أرسطو” نفسه كان فيلسوفًا وكان عالمًا له أعمال بارزة في مجالي الأحياء والفيزياء. إن الفكر السقراطي، وهو في طريقه لتحدي الأعراف والتقاليد وخاصةً عند تأكيده على الطريقة المبسطة للحياة، أصبح منفصلًا عن أكثر مساعي “أفلاطون” الفلسفية استقلالًا ولكنه ورث بشكل كبير من قبل أحد تلامذة “سقراط” الأكبر سنًا، “أنتيستنيس” الذي أصبح مؤسسًا آخر لإحدى الفلسفات في السنوات التي تلت موت “سقراط” ألا وهي الفلسفة الكلبية. وقد هاجم “أنتيستنيس” في كتاباته “أفلاطون” و”ألسيبيادس” على ما اعتبره خيانة لمعتقدات “سقراط”. شكلت فكرة الزهد جنبًا إلى جنب مع فكرة الحياة المتسمة بالأخلاق أو التقوى، والتي تجاهلها كل من “أفلاطون” و”أرسطو” بينما تناولها الكلبيون، جوهر فلسفة أخرى في عام 281 قبل الميلاد – ألا وهي الفلسفة الرواقية عندما اكتشف “زينون” من مدينة “كيتيوم” أعمال “سقراط” وبعد ذلك يتعلم من “كراتيس” الفيلسوف الكلبي. ولكن لم ترث أي من المدارس الفلسفية ميله لاحترام المرأة والمواطن العادي والشراكة معهما.

التأثيرات التاريخية اللاحقة

في حين أن بعض إسهامات “سقراط” اللاحقة لحضارة وفلسفة الحقبة الهلينية وكذلك للحقبة الرومانية قد فقدت بمرور الزمن، فإن تعاليمه قد كانت بمثابة ولادة جديدة لأوروبا في العصور الوسطى وكذلك للشرق الأوسط الإسلامي، هذا إلى جانب تعاليم “أرسطو” والفلسفة الرواقية. لقد ذكر “سقراط” في حوار “كوزاري” على لسان الفيلسوف والحاخام اليهودي “يهوذا الحليفي” والذي كان فيه أحد اليهود يعلم ملك “خازار” مبادئ اليهودية. وقد قام “الكندي”، أحد الفلاسفة العرب المشهورين، بتقديم فلسفة “سقراط” والفلسفة الهلينية للجمهور الإسلامي وحاول أن يوفق بينهما. وقد عادت مكانة “سقراط” في الفلسفة الغربية بكل قوتها في عصري النهضة والعقلانية في أوروبا عندما بدأت النظرية السياسية في الظهور على السطح مرة أخرى على يد الفيلسوفين الإنجليزيين “جون لوك” و”هوبز”. بل إن “فولتير” تخطى كل الحدود عندما كتب مسرحية هزلية عن محاكمة “سقراط”. وكان هناك عدد من اللوحات عن حياته بما فيها Socrates Tears Alcibiades from the Embrance of Sensual Pleasure للفنان “جين بابتيست رينو” ولوحة موت سقراط للفنان جاك لوي دافيد في أواخر القرن الثامن عشر. ولا يزال المنهج السقراطي يستخدم ليومنا هذا في مدارس القانون كوسيلة لمناقشة الموضوعات المعقدة المتضمنة في الدروس والتي تهم من يطرحها للمناقشة. ولقد حظى “سقراط” بالتكريم الذي تراوح من ذكره بشكل متكرر في ثقافة البوب مثل فيلم المغامرة الممتازة لبيل وتيد وفي إحدى فرق موسيقى الروك اليونانية، إلى التماثيل العديدة له في المؤسسات التعليمية اعترافًا بإسهاماته للتعليم.

النقد

منذ وفاة “سقراط” وحتى يومنا هذا، يتم تقييم “سقراط” والتفاعل معه من خلال طرح استفسارات فلسفية وتاريخية تتعلق به، لتكون النتيجة متمثلة في عدد هائل من النتائج ووجهات النظر. ومن الانتقادات الأولى التي وجهت لـ “سقراط” في أثناء محاكمته أنه ليس مناصرًا للفلسفة وإنما هو فرد عادي يتبع منهجًا يهدف من ورائه إلى إفساد وضعف بنية المجتمع الأثيني، وذلك الانتقاد شكل التهمة التي أدين بها “سقراط” من قبل هيئة من المحلفين الأثينيين بلغ عددها 500 شخص والتي من أجلها حكم عليه بالإعدام. وعلى الرغم من أن حكم الإعدام لم يصدر بسبب صلته بأحد قادة الطغاة الثلاثين الذي يؤيد أسبرطة – وهو “كريتياس” -، فإنه نظر إليه كشخصية مثيرة للجدل قامت بتشويه سمعة الديمقراطية الأثينية وقامت بتعليم المؤيدين لحكم القلة والذين صاروا طغاة فاسدين. لقد ظل الفكر السوفسطائي الذي هاجمه “سقراط” في حياته موجودًا بعد وفاته ولكن سرعان ما تفوقت عليه مدارس الفكر الفلسفي العديدة التي أثر فيها “سقراط” في القرن الثالث قبل الميلاد. نظرًا لأنه تم اعتبار وفاة “سقراط” كحدث رمزي ولأنه احتل مكانة شهيد الفلسفة، لم تجد أحدث الانتقادات والتالية لوفاته في ذلك الوقت سبيلاً لتخلل الأذهان. على الرغم من ذلك، حاول “زينوفون” أن يوضح أن “سقراط” قبل عن عمد فكرة تناول سم نبات الشوكران بسبب كبر سنه مستخدمًا الشهادة المدمرة للذات التي أدلاها “سقراط” أمام هيئة المحلفين والتي أثارت جدلاً كبيرًا كدليل على ما يقول. وكانت الانتقادات المباشرة لـ “سقراط” قد اختفت تقريبًا في ذلك الوقت، ولكن كان هناك تفضيل ملحوظ حتى في العصور الوسطى لـ “أفلاطون” أو “أرسطو” على عناصر الفلسفة السقراطية المختلفة عن تلك التي يراها تلاميذه. ولأنه ما من معلومات كثيرة متوفرة عن الفيلسوف “سقراط” وربما توفرت معلومات قام “أفلاطون” بتغييرها، يعتقد العلم الحديث بأنه من المستحيل تكوين صورة واضحة لشخصية “سقراط” وسط كل هذه التناقضات الظاهرية. ويتضح ذلك بشكل أكبر حينما يوضع في الاعتبار أن مذهبي الكلبية والرواقية والذين تأثرا بشدة بأفكار “سقراط” لا يشبهان مذهب الأفلاطونية، بل يعارضانه. ويعد هذا الغموض والافتقار إلى موثوقية المعلومات المتوفرة عن هذا الفيلسوف أساسًا حديثًا للنقد – حيث أنه شبه مستحيل أن نعرف “سقراط” الحقيقي. كما أثير الجدال أيضًا حول الادعاءات التي أبداها “سقراط” بشأن إقصاء نفسه عن العادات اللوطية لليونان القديمة وعدم إيمانه بالآلهة الأولمبية لدرجة أنه صار توحيدي، أم إن تلك الادعاءات كانت محاولة قام بها علماء العصور الوسطى لمصالحة “سقراط” بأخلاقيات العصر. ومع ذلك، لا تزال حقيقة أن “سقراط” هو مؤسس الفلسفة الغربية الحديثة حقيقة يعلمها الجميع إلا القليل وحقيقة يتم تدريسها بشكل شائع، وقد بلغ الأمر أنه يشار إلى الفلاسفة الذين سبقوه باسم الفلاسفة ما قبل “سقراط”.

وجهة نظر الجماعة الإسلامية الأحمدية

لقد جادل “ميرزا طاهر أحمد” (الخليفة الرابع بالجماعة الإسلامية الأحمدية) في كتابه  أن “سقراط” كان نبيًا للآلهة الإغريق القدامى. وكانت الصفات الظاهرة للأنبياء التي اتصف بها “سقراط” حقًا موضع جدال. كما من الممكن أن ينظر بسهولة لإشارة “سقراط” المستمرة لمهبط الوحي وكيف أنه قام بدور المرشد الأخلاقي له عن طريق الحيلولة دون قيامه بأفعال غير أخلاقية كإشارة للوحي  أو كبديل له. وبالمثل، غالبًا ما يشير “سقراط” إلى الإله بصيغة المفرد لا بصيغة الجمع كما أنه رفض بشدة هيكل البانثيون الإغريقي المكرس للآلهة من الذكور والإناث ولم يستشهد بهم إلا كأمثلة لتوضيح ما يتصفون به من ضلال وخطأ في التفكير.

قالوا عنه

  • لقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض (شيشرون)
  • ثمة اكتشافان يمكن بحق عزو الفضل فيهما إلى سقراط: المقال الاستقرائي والتعريف العام وكلاهما للعلم نقطة انطلاق (أرسطو)
  • ما من أحد راى قط سقراط أو سمعه يفعل أو يقول شيئًا فيه تدنيس للمقدسات أو كفر كما أنه ما كان يناقش خلافًا لمعظم الاخرين حول طبيعة الكون وما يبحث كيف ولد ما يسميه الفلاسفة العالم (كسينوفون)
  • لم يكن أحد يضاهيه قدرة على الإقناع لما اوتيه من موهبة في الكلام ولما كان ينطق به محياه من تعابير وبكلمة واحدة لتميز شخصيته وتفردها ولكن هذا فقط ما دام غير غاضب أما متى عصفت به صورة هذا الانفعال فان بشاعته تصبح مخيفة لا تطاق وعندئذ ما كان يمسك نفسه عن اي قول أو أي فعل (سبنثاروس)

محاكمة سقراط

تشير محاكمة سقراط إلى المحاكمة والتنفيذ الذي لحق بالفيلسوف الأثيني سقراط عام 399 ق م. فقد تمت محاكمته وإدانته من قبل حكومة أثينا الديمقراطية بتهمة إفساد الشباب والإلحاد.

قام اثنان من معاصري سقراط وهما أفلاطون وكسينوفون بوصف تلك المحاكمة فكانت أحد أهم المحاكمات في العصر القديم.

المحاكمة
الأحداث السابقة للمحاكمة
قبل تلك اللحظة بأعوام كان سقراط رجلاً معروفاً في أنحاء أثينا. فلقد كان من شخصيات مسرحية أريستوفان السحب والتي عـُرضت عام 420 قبل الميلاد فظهر في صورة مخادع مغرور ومنمق.

لم يكتب سقراط ما قاله يوماً ولكن تلميذه أفلاطون قام بالمهمة مما أنتج الحوارات السقراطية حيث يكون فيها سقراط الشخصية المحورية. استاءت شخصيات مهمة في أثينا من أسلوب سقراط في الأسئلة، يرجع السبب لدحضه سمعة الحكماء والفضلاء. فاعتبر أغلب العامة بأن سقراط قد فاز بلقب ناقد أثنيا بسبب طريقة جداله الخاصة. فكان ذاك الأسلوب يٌقلد من قبل الشباب الأثيني في كثير من الأحيان مفككا للنظام الاجتماعي والقيم المعمول بها. قاتل سقراط من أجل أثينا وشجع على طاعة القوانين ولكن على الرغم من ذلك نقد ممارسة الديمقراطية في بلاده، خاصة فيما يتعلق بالانتخابات الجماعية ساخراً من وظيفتها في الانتخاب في أية وظيفة. زاد النقد اللازع من الاشتباه في الديمقراطيين، خصوصاً عندما اكُتشف أن أقاربهم أعداءً للديمقراطية. فقد خان ألكيبيادس أثينا لصالح أسبرطة على الرغم من أن الأمر ما هو إلا محض احتياج وليس أيدولوجية، في حين أن قريطياس، تلميذه السابق كان واحداً من قادة الطغاة الثلاثون والذين حكموا أثينا لعددة شهور بعد هزيمتها في الحرب البيلوبونيسية، على الرغم أيضاً من وجود وثائق تثبت عدائيته.

بالإضافة إلى ذلك، كان لدى سقراط نظرة خاصة فيما يتعلق بالدين. أشار عدة مرات إلى شيطانه الخاص، في حين أكد على عدم قدرته في فرض شيئاً عليه بل تحذيره لعددة وقائع محتملة. شكك معاصريه في ذلك الشيطان واعتبروه رفض تام للدين السائد في الدولة. بشكل عام فإن شيطان سقراط شبيه بالحدس. أضف على ذلك أن سقراط اعتاد القول أن العيش بالفضائل أهم من عبادة اللآلهة.

المحاكمة
يعد الإتهام الرسمي هو أول عناصر المحاكمة. فكان ثلاثة رجال هم من اتهموا سقراط وهم:

أنيتو، ابن الأثيني البارز أنثيميون
ميليتو، شاعر وهو من قدم الشكوى للحاكم
ليقون، ممثل عن المتحدثين. نعرف عنه القليل، كان يوافق سقراط الأفلاطوني

وبعد أن اقتنع الحاكم بالقضية المطروحة أمامه، أمر سقراط بالمثول أمام اللجنة العليا في أثينا والتي تكونت من مواطني البلد المذكور بهدف الدفاع عن نفسه ضد التهم المنسوبة إليه من إفساد الشباب والهرطقة.

تم اختيار هؤلاء المواطنين عن طريق القرعة من بين الرجال المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وممن حملوا الجنسية الأثينية، حيث لم يحملها كلاً من النساء والعبيد والمقمين الأجانب. على عكس أي محاكمة أجريت في العديد من المجتمعات الحديثة، وكانت معظم الأحكام كالقوانين وليس كاستثناء. (انظر مسرحية الزنابير للكاتب أريستوفانيس)

واجه سقراط محكمة مكونة من 500 مواطن أثيني حيث يستدل من كثرة العدد أهمية تلك المحتكمة وقتئذ. وبعد أن قدم كلاً من المدعي عليه وسقراط ما لديهم، حكم القاضي بإدانة سقراط ب280 صوتٍ مقابل 220 فقط.

نتيجة المفاجأة اقترح سقراط والنائب العام أحكاماً بديلة. اقترح مازحاً عقوبة تتكون من أكل مجاني في البيراتانيون (كان هذا الشرف خاص برعاة المدينة والفائزين بالألعاب الأولمبية)، ثم يقوم بدفع 10 دراخم وهو ما كان يساوى خمس ثروته وأيضاً دليلاً على فقره المدقع. ولكن أخيراً اقترح أفلاطون وكريتون وكريتوبولوس وأبولودور على أن يدفع سقراط ثلاثة الالاف درخم حيث ضمنوه. في حين أن مهاجمه اقترح عقوبة الموت.

نقل أفلاطون في كتاباته أن جاء التصويت في صالح عقوبة الموت 360 صوتاً مقابل 140، حيث خسر سقراط تعاطف المواطنين معه بسبب نبرته الساخرة وعدم طلبه العفو.

نصحه طلابه بالهروب، حيث كان من المتوقع وكان يمكن أن يكون مقبولاً، لكن رفض سقراط من البداية بسبب فلسفته في اتباع القوانين، مما أدى إلى قتله بسائل الشوكران الأبقع. هكذا تحول سقراط إلى شهداء العلم عن عمر يناهز 70.

محاكمة سقراط على لسان معاصريه
في أول ثلاثية أفلاطون (يوثيفرو، دفاع سقراط، كريتو، فايدو) ركز على محنة معلمه، المحاكمة وتنفيذ الحكم. كتب زينوفون أيضاً اعتذار سقراط.

تفسيرات المحاكمة
تفسير العالم القديم
لم تشغل المحاكمة بال مواطني أثينا كما شغلت لاحقاً في وقتنا الحالي. فلقد كانت أثينا تعاني من وقت عصيب قامت مجموعة من الموالين لإسبرطة أطلق عليهم اسم الطغاة الثلاثون بإلغاء الديمقراطية بغرض فرض سيطرة الأقلية على الحكم. لم يفهم الشعب حقيقة كون كريتياس زعيم الطغاة من تلامذة سقراط لم تكن إلا صدفة بحتة. حول أصدقائه الاعتذار ولكن بالتأكيد تمثلت نظرة شعب أثينا فيما قاله الخطيب إيسخينيس بعد عدة أعوام في محاضرة:

محاكمة سقراط ربما كان يجب أن يحكموا عليه بالموت، أيها الإخوة المواطنون، لأنه تبين أن كريتياس قد
تلقى تلعيمه على يديه، وهو واحداً من الذين حرموا منا الديمقراطية؟

محاكمة سقراط
تفسير العالم الجديد
ألهم موت الفيلسوف سقراط، والذي نفله تلميذه أفلاطون، العديد من الكتاب والفنانين والفلاسفة. بالنسبة للبعض فقد أظهرت محاكمة سقراط والتي أطلق عليها أفلاطون “محاكمة لأكثر حكمة وعدلاً بين الناس أجمع” مدى انعدام الثقة في الحكومة الديمقراطية. للبعض الآخر مثل إيزيدور فينشتاين ستون جاء في كتابه محاكمة سقراط بأن تصرف مواطني أثينا كان دفاعاً مبرراً عن ديمقراطيته والتي جاءت فيما بعد.

بشكل عام اسُتشهد سقراط من أجل معتقداته الثقافية حيث اعتبره الناس مثالاً للحكمة والخير، كما كان يصوره أفلاطون وزينوفون. لذلك فإنه ليس غريباً وجود أسطورة سقراط ومحاكمته بعيدة كل البعد عن الشخصية التاريخية الصحيحة ذا النظرة السياسية التي لم نعرفها حتى الآن

دفاع سقراط (باليونانية: Ἀπολογία Σωκράτους)‏ هو نسخة أفلاطون من خطاب ألقاه سقراط للدفاع عن نفسه عام 399 قبل الميلاد ضد الاتهامات الموجهة له بإفساد الشباب، وعدم الإيمان بالآلهة التي تؤمن بها المدينة، ولكن بشياطين أخرى مستحدثة. يصور الدفاع وفاة سقراط، وهو أحد أربع حوارات لأفلاطون تروي تفاصيل الأيام الأخيرة من حياة الفيلسوف، إلى جانب يوثيفرو، فايدو، كريتو.

منهج سقراط

المنهج السقراطي (يُعرف أيضًا باسم منهج إلينخوس أو الجدل السقراطي)، هو شكل من أشكال الحوار الحجاجي بين الأفراد بطريقة تعاونية، إذ يقوم على طرح الأسئلة والإجابة عنها بغرض تحفيز التفكير النقدي واستخلاص الأفكار والافتراضات المسبقة الضمنية. يُنسب هذا المنهج إلى سقراط، الفيلسوف اليوناني في العصر الكلاسيكي، وقد قدمه أفلاطون في محاورة تياتيتوس تحت اسم فن التوليد (نسبة إلى القابلة التي تولد النساء)، لأنه يُستعمل بغرض إخراج أو توليد التعريفات بشكل ضمني من معتقدات المتحاورين، أو بغرض مساعدتهم في الفهم بشكل أفضل. يعتبر المنهج السقراطي منهجًا لاستبعاد فرضية ما، إذ يجري إيجاد أفضل الفرضيات بتحديد واستبعاد تلك الفرضيات التي تؤدي إلى تناقضات. يبحث المنهج السقراطي عن الحقائق المعتنقة بشكل عام وشائع والتي تشكل المعتقدات، ثم يفحصها من أجل تحديد مدى اتساقها مع المعتقدات الأخرى. ويأتي الشكل الأساسي للمنهج السقراطي في صورة سلسلة من الأسئلة الموضوعة مثل اختبارات المنطق والواقع، التي تهدف إلى مساعدة الشخص أو الجماعة على اكتشاف معتقداتهم بشأن بعض الموضوعات؛ واستكشاف تعريفات والسعي لوصف الخصائص العامة التي تشترك فيها حالات معينة مختلفة.

التسمية
وسميت بطريقة سقراط أو مجادلة سقراط نسبة إلى الفيلسوف الإغريقي إذ استعملها في مجادلة مواطنيه الأثينيين. كما تسمى علميا بـ “أسلوب إلينخوس” (بالإنجليزية: Elenchus)‏، أصلها (باليونانية: ἔλεγχος)‏ | إلينخوس والتي تعني مجادلة الاعتراض، امتحان، تمحيص.

كما يستعمل تعبير “مساءلة سقراط” (بالإنجليزية: Socratic Questioning)‏ لتصف طرق استجوابية بحيث يتم الرد على سؤال ما وكأنه الإجابة بحد ذاته مما يدفع السائل إلى إعادة تحوير سؤاله بحسب تطور المحاورة.

التطور
كان السوفسطائيون في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، معلمين متخصصين في استخدام أساليب الفلسفة والبلاغة من أجل التسلية أو التأثير في النفوس أو إقناع المستمعين بقبول وجهة نظر المتكلم. قدم سقراط طريقة بديلة للتعليم والتي عُرفت باسم المنهج السقراطي. بدأ سقراط في الاشتراك في مثل تلك النقاشات مع رفاقه الأثينيين بعد أن زار مع صديقه منذ الشباب، شيريفون، كاهنةَ معبد دلفي (أوراكل أو وسيط للوحي)، والتي أكدت على أنه لا يوجد رجل في اليونان أكثر حكمة من سقراط. نظر سقراط إلى هذا الأمر بوصفه مفارقة كأساس لحثّه الأخلاقي. وبدأ في استخدام المنهج السقراطي من أجل الإجابة على لغزه. كتب ديوجين لائرتيوس بالرغم من ذلك، أن بروتاجوراس هو الذي ابتكر المنهج السقراطي.

صاغ أفلاطون كما هو معروف المنهج السقراطي في أسلوب نثري، من خلال بعض محاوراته المبكرة مثل أوطيفرون وأيون، وظهر المنهج بشكل أكثر شيوعًا ضمن ما عُرف باسم (المحاورات السقراطية)، إذ قدّم سقراط بوصفه رجلًا فضوليًا يطرح الأسئلة على بعض محاوريه من الأثينيين البارزين، وهو ما يصور سقراط منخرطًا بشكل عام في ذلك المنهج وطارحًا الأسئلة على رفاقه من المواطنين بشأن موضوعات أخلاقية وإبستمولوجية. لكن كان لأفلاطون منهج مختلف للمناقشات الفلسفية في محاوراته المتأخرة مثل تياتيتوس والسوفسطائي، وهو المنهج الذي عُرف باسم الجدل.

المنهج
يُعد أسلوب إلينخوس Elenchus الأسلوبَ المحوري للمنهج السقراطي (باللغة اليونانية القديمة: ἔλεγχος، وتنطق باللاتيني elenkhos، وتعني حرفيًا: حجة التفنيد أو الدحض؛ أي الاستقصاء والاختبار والفحص، بغرض التفنيد بوجه خاص). تُستخدم الصيغة اللاتينية elenchus في اللغة الإنجليزية بوصفها مصطلحًا فلسفيًا متخصصًا. وتعتبر الصيغة إلينخي elenctic الصيغة الوصفية الأكثر شيوعًا في اللغة الإنجليزية.

يرِد أسلوب إلينخوس في محاورات أفلاطون المبكرة، بوصفه الأسلوب الذي استخدمه سقراط للبحث -على سبيل المثال- عن طبيعة أو تعريفات التصورات الأخلاقية مثل العدالة والفضيلة. ويشتمل هذا المنهج على عدة خطوات وفقًا لفلاستوس:

يجزم محاوِر سقراط بفرضية ما، على سبيل المثال: الشجاعة هي مقدرة النفس على الاحتمال.
يقرر سقراط ما إذا كانت الفرضية خاطئة، ثم يسعى إلى تفنيدها.
يضمن سقراط موافقة محاوره على التصديق على الافتراضات التالية، على سبيل المثال: الشجاعة شيء جيد، وصبر أو مقاومة الجاهل ليست بالشيء الجيد.
يُحاجج سقراط بعد ذلك، ويتفق معه المحاور، بأن تلك الافتراضات الإضافية تتضمن نقضًا للقضية الأصلية: في هذه الحالة، يصل الأمر إلى القول إن (الشجاعة ليست في تعريفها مقدرة النفس على الاحتمال).
يزعم سقراط بعد ذلك أنه قد أظهر خطأ قضية أو طرح محاوِره، وبالتالي يكون نفيها صحيحًا.
يمكن أن يؤدي أسلوب إلينخوس في فحص الأشياء، إلى اختبار أو رؤية جديدة أكثر دقة للتصورات قيد النظر أو الفحص، فيدعو هذا الأسلوب في تلك الحالة إلى فحص الزعم أو القضية: الشجاعة هي مقدرة النفس على الاحتمال بحكمة. تتكون معظم الاستفسارات السقراطية من سلسلة إلينخية، تنتهي عادة بحالة من الحيرة أو اللغز، معروفة باسم أبوريا aporia. ويشير فريدي إلى أن استنتاج فلاستوس رقم (4) في الخطوات السابقة، يجعل من محاورات أفلاطون المبكرة التي تتسم بأنها مُلغَزة أو في حالة من الحيرة aporetic مجرد لغو فارغ بلا معنى. فإظهار القضية أو الطرح المقترح بوصفه خاطئًا، لا يُعد كافيًا للاستنتاج بضرورة صدق بعض القضايا المنافسة الأخرى. ويصل المتحاورون عوضًا عن ذلك إلى حالة الحيرة أو اللغز، وهي حالة متطورة من البقاء دون معرفة ما يُقال بشأن الموضوع المطروح للنقاش. ويعتبر تحديد طبيعة أسلوب إلينخوس من الأمور الخاضعة لقدر كبير من الجدل، فيما يتعلق بوجه خاص بما إذا كان يمثل منهجًا إيجابيًا يؤدي إلى المعرفة، أم منهجًا سلبيًا يُستخدم فقط بغرض تفنيد الدعاوى أو المزاعم الخاطئة بالنسبة للمعرفة.

يرى دبليو. ك. س. جوثري في كتابه عن فلاسفة الإغريق، أنه من الخطأ أن ننظر إلى المنهج السقراطي بوصفه وسيلة أو أداة يحصل بها المرء على إجابة للمسألة أو للمعرفة التي يسعى إليها. يزعم جوثري أن المنهج السقراطي يهدف في حقيقة الأمر إلى إظهار جهل الفرد. فقد اعتقد سقراط على عكس السوفسطائيين أن المعرفة ممكنة أو يمكن الوصول إليها، لكنه اعتقد أن أول الخطوات نحو المعرفة هو الاعتراف بجهل الفرد. يكتب جوثري أن سقراط كان قد اعتاد على وصف نفسه بأنه لا يعرف شيء، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي كان يعتبر من خلالها أكثر حكمة من الرجال الآخرين، فكان واعيًا بجهله الخاص، بينما لا يعي الآخرون ذلك. يتمثل جوهر المنهج السقراطي في إقناع المحاور بأنه في حقيقة الأمر لا يعرف شيئًا حتى وإن كان يتصور عكس ذلك.

التطبيق
طبّق سقراط منهجه بشكل عام في فحص المفاهيم التي بدت مفتقرة إلى أي تعريف محدد؛ على سبيل المثال المفاهيم الأخلاقية الأساسية في ذلك الوقت، فضائل التقوى والحكمة والاعتدال والشجاعة والعدالة. تحدى مثل هذا الفحص، المعتقدات الأخلاقية الكامنة لدى المتحاورين، ما أظهر أوجه القصور والتناقضات الموجودة في معتقداتهم، والتي عادة ما تنتج عنها حالة الحيرة. اعترف سقراط نفسه في ضوء هذا القصور بجهله، ولكن ما زال الآخرون يزعمون امتلاكهم للمعرفة. اعتقد سقراط أن وعيه بجهله الخاص يجعله أكثر حكمة من هؤلاء الذين يدّعون المعرفة بالرغم من جهلهم. وبينما يبدو ذلك الاعتقاد متناقضًا للوهلة الأولى، فإنه قد سمح لسقراط في حقيقة الأمر باكتشاف أخطائه الخاصة، في الوقت الذي افترض فيه الآخرون أنهم على صواب. تستند تلك الدعوى إلى قول كاهنة معبد دلفي (أوراكل أو وسيط الوحي) التي صرحت بأنه لا يوجد رجل أكثر حكمة من سقراط.

استخدم سقراط هذا الزعم الخاص بالحكمة باعتباره أساسًا لمواعظه الأخلاقية. ووفقًا لذلك فقد زعم أن الخير الأسمى يتكون من رعاية النفس المرتبطة بالحقيقة والفهم الأخلاقي، وأن الثروة لا تجلب الخير ولكن الخير هو الذي يجلب الثروة وكل المسرات أو النعم الأخرى بالنسبة للفرد أو للدولة على حد سواء، وأن الحياة التي لم تُتفحّص، لا تستحق أن تُعاش. وهكذا يوظَف المنهج السقراطي عندما نأخذ في الحسبان كل ذلك.

لا يُعد دافع الاستخدام الحديث لذلك المنهج واستخدام سقراط له، أمرًا واحدًا بالضرورة. فنادرًا ما استخدم سقراط ذلك المنهج بشكل فعلي لتطوير نظريات متّسقة، ولكنه استخدم الأسطورة عوضًا عن ذلك من أجل شرحها. توضح محاوَرة بارمنيدس، استخدام بارمنيدس للمنهج السقراطي من أجل الإشارة لعيوب نظرية المُثُل الأفلاطونية، كما قدمها سقراط؛ ولا تُعد تلك المحاوَرة الوحيدةَ التي يُحلِل فيها سقراط/ أو أفلاطون النظريات المشروحة بشكل اعتيادي عن طريق منهج الجدل. كان المنهج يُستخدم لتحليل النظريات التي نتبناها من أجل تجاوز المسلمات والفرضيات التي نعتنقها بشكل مسلّم به، وذلك عوضًا عن الوصول إلى إجابات. وبالتالي فإن الأسطورة والمنهج السقراطي في نظر أفلاطون غير متناقضين؛ فلكل منهم غرض مختلف وعادة ما يُوصفا بمسارات اليد اليمنى واليد اليسرى نحو الحكمة والخير.

الحلقات السقراطية
الحلقة السقراطية (تُعرف أيضًا باسم السيمنار أو الحلقة الدراسية السقراطية)، هي منهج تربوي يستند إلى المنهج السقراطي ويستخدم طريقة الحوار من أجل فهم المعلومات الموجودة في النص. يُستخدَم إجراؤها المنهجي من أجل فحص النص عن طريق الأسئلة والإجابات المؤسسة على المعتقدات، إذ ترتبط كل المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة، ويأتي كل التفكير من طرح الأسئلة، ويجب أن يؤدي طرح سؤال واحد إلى طرح المزيد من الأسئلة. ولا تُعد الحلقة السقراطية مناظرة أو جدلًا؛ فالغرض من ذلك النشاط هو أن يعمل المشاركون معًا من أجل تكوين المعنى والوصول إلى إجابة، وليس انتصار طالب واحد أو جماعة واحدة بالحجة أو الاستحواذ عليها.

يستند هذا المنهج إلى الاعتقاد أن المشاركين يسعون ويصلون إلى فهم أكثر عمقًا للمفاهيم الموجودة في النص عن طريق الحوار المدروس، عوضًا عن عملية تذكر المعلومات التي تُقدم لهم. وبالرغم من إمكانية اختلاف الحلقات السقراطية في بنيتها وحتى في اسمها، إلا أنها تتضمن العناصر التالية عادة: فقرة من نص، على الطلاب أن يقرؤوها بشكل مسبق، وتتشكل حلقتان أساسيتان من الطلاب: حلقة خارجية وحلقة داخلية. تركز الحلقة الداخلية على استكشاف وتحليل النص عن طريق عملية طرح الأسئلة والإجابة عنها. تظل الحلقة الخارجية خلال تلك المرحلة صامتة. يشبه الطلاب الموجودون في الحلقة الخارجية المراقبين العلميين إلى حد كبير، إذ يشاهدون ويستمعون إلى محادثة الحلقة الداخلية. وعندما يُناقَش النص بشكل كامل وتتوقف الحلقة الداخلية عن الحديث، تقدم الحقلة الخارجية تعقيبات على الحوار الذي حدث. تتناوب تلك العملية مع انتقال طلاب الحلقة الداخلية إلى الحلقة الخارجية، في الجلسة أو اللقاء التالي والعكس بالعكس. ويختلف طول تلك العملية بناء على النص المطروح للمناقشة. قد يقرر المُعلِم أن تتناوب المجموعات في جلسة الواحدة أو في جلسات منفصلة. يُعد دور المُعلم الاختلافَ الأكثر تميزًا بين ذلك النشاط وأكثر النشاطات تقليدية في الفصول الدراسية. إذ يقود الطلابُ في الحلقات السقراطية، عمليةَ المناقشة والتساؤل. ويتمثل دور المُعلِم في ضمان تقدم المناقشة مهما يكن الاتجاه الخاص الذي تتخذه المناقشة.

العلاج النفسي
يتلاءم المنهج السقراطي (الذي يأتي في صورة استفسار أو تساؤل سقراطي) مع مجال العلاج النفسي، ومن أبرز المداخل التي تتلاءم معه: العلاج النفسي الأدلري الكلاسيكي (نسبة إلى أدلر)، والعلاج بالمعنى، والعلاج العقلي الانفعالي السلوكي، والعلاج المعرفي، والعلاج الواقعي. إذ يمكن استخدامه من أجل توضيح المعاني والمشاعر والعواقب، بالإضافة إلى وضوح البصيرة بشكل تدريجي أو استكشاف سلوكيات بديلة. بالإضافة إلى ذلك، ألهَم المنهج السقراطي مؤخرًا اتجاهًا جديدًا في الفلسفة التطبيقية: إذ يُطلق على الحوار السقراطي اسم الإرشاد أو الاستشارة الفلسفية. وربما يُعد جيرد بي. أشنباخ أفضل ممارس لهذا النوع في أوروبا، وقد اقترح أيضًا مايكل فيبر شكلًا آخر لهذه الممارسة

مسألة سقراط

مسألة سقراط (أو سؤال سقراط أو إشكالية سقراط، بالإنكليزية Socratic Problem) هو مصطلح يستخدم في وصف البحث الأكاديمي الذي يحاول إعادة تصوير الحقيقة التاريخية والفلسفية لسقراط والتي هي متغيرة، بل في كثير من الأحيان متناقضة، بناء على بنية المصادر المتوافرة عن حياته. يعتمد الباحثون على كتابات متوفرة من قبل أفراد عرفوه كالمعاصرين له، مثل أريستوفان، أو كتلاميذه، مثل أفلاطون وزينوفون، وذلك لمحاولة فهم أو تركيب أي معرفة عن حقيقة سقراط التاريخية. لكن عندما تجمع هذه المصادر بعضها مع بعض، يظهر تناقضات فيما يتعلق بتفاصيل حياته وكلماته ومعتقداته. هذا يعقد محاولات إعادة بناء المعتقدات والآراء الفلسفية التي اعتنقها سقراط التاريخي. فمن الواضح أهمية هذه الإشكالية عند الباحثين الأكاديميين أنالذين يعتبرونها مهمة من المستحيل توضيحها وبالتالي أصبحت تصنف على أنها غير قابلة للحل.

المصادر
لم يصلنا أي من أعمال سقراط بشكل مباشر مما يجعل الباحثون يعتمدون على مصادر غير مباشرة. أهم هذه المصادر هو أفلاطون الذين اعتمد عى شخصية سقراط كالمحاور الأساسي في كل أعماله. ومن المتفق عليه على نطاق واسع أن أفلاطون استخدم شخصية سقراط للتعبير عن وجهات نظره، أي أفلاطون.

وهناك ثلاث مصادر أخرى مهمة تدل على شخصية سقراط هي أعمال أريستوفان، أرسطو وزينوفون. وهذا يعقد استشفاف حقيقة آرسطو لما هناك من تناقضات بين هذه المصادر الأربعة.

أهم النصوص التاريخية الدالة على ى سقراط فيما يسمى بـ”حوارات سقراطية” والتي هي تقارير عن المحادثات على التي دارت مع سقراط. وبمعظمها موجودة في كتابات أفلاطون و زينوفون.

وهناك أيضا أربعة مصادر مجزأة من وضع إيسخينيس، أنتيستنيس، أقليديوس المغاري وفايدو من إليس. بالإضافة إلى ذلك، هناك أجزاء متفرقة من وضع تيمون من فيليوس، الذي كتب في هجاء الفلسفة. وهناك أيضا مسرحية “الغيوم” لأريستوفان التي تهاجم سقراط بشكل كوميدي.

زينوفون
هناك أربعة أعمال لزينوفون تتناول سقراط هي: اعتذار من سقراط إلى المحلفين (والتي على ما يبدوهي تقارير الدفاع التي رفعها سقراط في المحكمة), تذكارات (وهو الدفاع عن سقراط فيما يسمى بالحوارات السقراطية)، كتاب “الإنسان الاقتصادي” (التي تتعلق بلقاءات سقراط مع اشموماكوس وكريتوبولوس ) والندوة (التي تروي المساء حفل عشاء حضره سقراط).

أفلاطون
كان سقراط معلم أفلاطون الذي دون، مثل بعض معاصريه، حوارات أستاذه. فمعظم ما يعرف عن سقراط أتى من كتابات أفلاطون. وهناك اعتقاد على نطاق واسع أن عددا قليلا جدا من حوارات أفلاطون تمثل حقيقة ما قاله سقرط بشكل حرفي دون وساطة في التعبير أوالتحوير. إذ أنه هنالك العديد من الدلالات التي تشير إلى أن أفلاطون استغل حوارات سقراط كوسيلة لإيصال أفكاره الخاصة به، أي أفلاطون. وهذا يبدوا جليا من خلال التناقضات التي تظهر من حين إلى أخر بين ما قاله أفلاطون وبين حوادث وأخبار أخرى عن سقراط من مصاردر أخرى. فعلى سبيل المثال، أظهر افلاطون أن سقراط لا يقبل مقابل مالي من أجل التعليم، في حين أظهر زينوفون في عمله “لندوة” بشكل واضح أن طلابه كانوا يدفعون له ثمن أتعابه في تعليمهم وأنه اعتمد التعليم كباب رزق من أجل لقمة عيشه.

ايسكينس
كتب ايسكينس عملين تناولا حياة أرسطو هما “السيبياديس” و”أسبازيا”. لكن الإشكالية أن لم يكن لإسكينيس أي دور أو علاقة مباشرة مع أرسطو بأي شكل من الأشكال. .

أنتيستنيس
كان أنتيستنيس تلميذا لسقراط، وكان معروفا لمرافقته.

الإشكاليات المتعلقة بالمصادر
عمر المصادر بالنسبة إلى سقراط
عاش أريستوفان في الفترة ما بين 450 إلى 386 قبل الميلاد أي خلال السنوات الأولى من حياة سقراط مما يجعله معاصرا له. بينما يشير أحد المصدر أن أفلاطون وزينوفون يصغرون سقراط بحوالي 45 سنة. بينما يعتقد أن زينوفون يصغر سقراط بـ 40 سنة.

الإشكاليات الناتجة عن الترجمة
من أهم الإشكاليات في فهم سقراط هي مدى صحة وأمانة نقل المعنى من خلال الترجمات من اليونانية إلى اللغات الأخرى وبخاصة إلى اللغات الحديثة، سواء كانت الإنجليزية أو أي لغة أخرى.

الحلول المقترحة عدل
هناك أربعة حلول المقترحة والتي شرحت بأدق التفاصيل في وقت مبكر من تاريخ الإشكالية والذين ما زالوا مقبولين في وقتنا المعاصر هم:

(1) إن شخصية سقراط الحقيقية تعتمد الصفات التي عرضت في كتابات أفلاطون والتي تؤكدها أعمال أريستوفان وزينوفون بنفس الوقت.

(2) أن سقراط هو شخص لا يدعي امتلاك الحكمة لكنه شخص يشارك في محاولات فهم الحكمة بهدف اكتساب فهم أفضل لها.

(3) أكثر ما يظهر حقيقة سقراط هو هي حوارات أفلاطون المبكرة أكثر بكثير من الحوارات المتأخرة.

(4) أن سقراط الحقيقي هو الذي يتحول من الاهتمام بالطبيعة للاهتمام بالأخلاق بدلا من ذلك

الإعلان