يُعرَف تبييض الأموال أيضاً باسم غسيل الأموال، وهو من المفاهيم الخاصّة بأحد أنواع الجرائم التي ظهرت نتيجةً لتنوّع مصادر المال غير القانونيّ، وتعدُّد أساليب تبييضه؛ لذلك كان لتبييض الأموال تعريفات مُتنوّعة، اهتمّ صناعو القرارات الماليّة والاقتصاديّة والسياسيّة بمتابعتها، وقد صُنِّفت هذه المفاهيم إلى صنفين، وهما مفاهيم تشريعيّة ومفاهيم فقهيّة.

غسيل الأموال أو تبييض الأموال

هما مصطلحان مترادفان لعمليةٍ واحدة (بالإنجليزية: Money laundering)، وهي عملية غير قانونية يحاول فيها المجرمون إخفاء مصادر أموالهم الناتجة عن نشاطات، واستثمارات غير مشروعة، وإظهارها وكأنها أموال تم الحصول عليها بطرق قانونية مشروعة قابلة للتداول بشكل طبيعي

ما هو غسل الأموال لا يوجد اتفاق على تعريف غسل الأموال؛ ممّا أدّى إلى تنوع المفاهيم الخاصة به، ومن الممكن تعريف غسل الأموال بأنّه استخدام مال غير مشروع عن طريق استثماره في عمليات تجاريّة مشروعة، كما يُعرَّف غسل الأموال بأنّه إخفاء الحقيقة المتعلقة بالأموال، أو طريقة الحصول عليها، أو الحركات الماليّة الخاصة بها؛ حيث يتمّ الحصول على هذه الأموال عن طريق ارتكاب جريمة أو مجموعة من الجرائم.

ومن التعريفات الأُخرى لغسل الأموال هو نقل أو تحويل المال المُستمد من الجرائم؛ من أجل مساعدة الأشخاص المتورطين في هذه الجرائم على الإفلات من القانون

قد تتم هذه العمليّة بمستويات صغيرة محليّة فقط، والأخطر من ذلك أن تتم على مستوى دولي تُستغل فيه الأنظمة المالية الدولية، وتُسهّل إجراءاتها عن طريق وسطاء ماليين في تلك الدول، وتتمحور أهمية غسيل الأموال حول سببين رئيسيين أولهما، تُجنِّب المجرمين من الارتباط بأي نشاطات مالية غير مشروعة مخلة بالقوانين، وثانياً فهي تمكّن من تداول الأموال غير المشروعة والتعامل فيها بحرّية وتضفي عليها طابعاً قانونياً

مفهوم تبييض الأموال

المفهوم الفقهيّ انقسم المفهوم الفقهيّ لجريمة تبييض الأموال إلى مجموعة حيثيّات، هي:

الموضوع: يُعدّ تبييض الأموال فنّاً يُوظّف الطُرق والأدوات المشروعة والقانونيّة جميعها، مثل: المُؤسّسات الماليّة العالميّة، والبنوك التي تقبل التحويلات والإيداعات الماليّة للأموال المُحصَّلة من أساس إجراميّ؛ وذلك لتوفير الحماية الكاملة لهذه الأموال.

الغاية: يسعى تبييض الأموال إلى نشر المال المُلوَّث بالجرائم، مثل: تجارة السّلاح والمُخدّرات، والسّرقات داخل العديد من مجالات الأعمال الاستثماريّة والاقتصاديّة ونشاطاتها محليّاً ودوليّاً؛ ممّا يُساهم في حصول المال على صفةٍ قانونيّةٍ ومشروعةٍ، ويُساعده على التخلّص من مصدره المُلوّث.

الطبيعة: يُعدّ تبييض الأموال من الجرائم القابلة للتداول بين الأقاليم والدول، كما يُصنَّف بأنّه من الجرائم التبعيّة؛ أي توجد جريمة أصليّة سابقة له

وقد عرّف مجموعة من الفقهاء جريمة تبييض الأموال، ومنهم:

تعريف رونالد كليفر: هي استخدام الأموال بطريقةٍ ما؛ بهدف إخفاء طبيعة مصدرها.

تعريف جيمس بيسلي: هي مجموعة من الأنشطة غير القانونيّة، تسعى إلى تمويه طبيعة المال الناتج عن ارتكاب جريمة من الجرائم المُنظّمة، وإخفائه.

المفهوم التشريعيّ اهتمّ المفهوم التشريعيّ لتبييض الأموال بآراء التّشريعات المُقارنة في دول العالم العربيّة والغربيّة، والتّعريفات الصّادرة عن الاتفاقيّات الإقليميّة والدوليّة، وفيما يأتي بعض مفاهيم جريمة تبييض الأموال وفقاً للتشريعات والاتفاقيّات:

مفهوم التشريع الفرنسيّ: تبريرٌ كاذبٌ بطريقةٍ سهلةٍ لأموالٍ ناتجة عن جُنحةٍ أو جناية، تُحقّق فائدةً غير مُباشرة أو مُباشرة.

مفهوم التشريع المصريّ: السلوك الذي ينطوي على حيازة الأموال المُكتسبة من أحد الجرائم، أو كسبها، أو التصرّف بها، أو إدارتها، أو استبدالها، أو إيداعها، أو استثمارها، أو تحويلها، أو نقلها؛ لإخفاء طبيعتها أو مكانها أو مصدرها، أو تعطيل القُدرة على الوصول إلى الشخص أو الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة التي أدّت إلى الحصول على هذه الأموال.

مفهوم اتفاقيّة هيئة الأُمم المُتّحدة: تمويه الحقيقة الخاصّة بالمال، أو حركته، أو مصدره، أو حقوقه، أو ملكيّته، مع وجود معلوماتٍ تفيد بأنّ مصدره من جريمة معيّنة.

اتفاقيّة مجلس أوروبا: هي اتفاقيّة عقدها المجلس الأوروبيّ عام 1990م، حرص فيها على محاربة كافّة الأدوات والوسائل الخاصّة بتبييض الأموال، مع التزام الدول الأعضاء جميعها بتجريم تبييض الأموال.

تاريخ تبييض الأموال أو غسل الأموال

في الماضي اهتمّ العديد من الأشخاص الذين يحصلون على مبالغ ماليّة بطُرقٍ غير شرعيّة بالبحث عن الوسائل التي تُساعدهم على إخفاء نتائج هذه الجرائم، وتحويل مصادرها إلى طُرقٍ شرعيّة، وظهرت هذه الظاهرة في الولايات المُتّحدة الأمريكيّة، وارتبطت مع جرائم تجارة المُخدرات التي حرصت عصاباتها على استخدام الأموال الناتجة عن هذه النشاطات في تنفيذ عمليات شراء مشروعة؛ بهدف إخفاء المصدر الأساسيّ لهذا المال

يعود انتشار مصطلح غسل الأموال بشكلٍ كبيرٍ إلى الولايات المُتّحدة الأمريكيّة مع ظهور المُؤسّسات المُرتبطة مع هذا النوع من الجرائم؛ حيث اهتمّت هذه المُؤسّسات بالعمليات النقديّة المعتمدة على مزج المال غير المشروع مع المال المشروع؛ ممّا يؤدي إلى تحويله لأموال مغسولة؛ أي ذات مصدر مشروع، ولم تظلّ هذه الجريمة منتشرةً في أمريكا فقط بل شهدت انتشاراً كبيراً أثناء الحرب العالميّة الثانيّة؛ وخصوصاً عندما وافقت المصارف في سويسرا على عمليات الإيداع الخاصة بالأموال الألمانيّة والإيطاليّة، وكانت هذه الأموال تعود للمصارف المركزيّة الأوروبيّة التي احتلّتها كلٌّ من إيطاليا وألمانيا خلال الحرب

تُعدّ جريمة تبييض الأموال من الجرائم المعروفة منذ القِدم، ففي عام 1932م ارتُكِبت أوّل جريمة تبييض أموال بأدوات حديثة؛ عن طريق أحد المُجرمين البولنديّين، حيث كان يُصدّر الأموال غير المشروعة إلى خارج أمريكا، ومن ثمّ يُودعها في المصارف السويسريّة بالاعتماد على قروض وهميّة.

وفي عام 1973م ظهر مصطلح تبييض الأموال للمرّةِ الأولى في الولايات المُتّحدة الأمريكيّة عند ظهور فضيحة ووتر جيت المُرتبطة بإعادة انتخاب الرئيس نيكسون؛ إذ جمعت اللجنة المُشرفة عن عمليّة انتخابه كميّةً من أموال التبرعات المُخصَّصة لهذه العمليّة، ومن ثمّ استخدمتها في تنفيذ نشاطات تبييض الأموال.

وتُرجّح بعض الآراء أنّ ظهور جريمة تبييض الأموال تعود إلى شراء أحد مُجرمي المافيا الأمريكيّين مغسلةً لغسيل الملابس، فكان يخلط بين الثمن النقديّ المدفوع من الزبائن مقابل غسل أموالهم مع أموالٍ حصل عليها من تجارة المُخدّرات، ثمّ كان يودع الأموال المخلوطة والمغسولة في أحد المصارف، ومن هنا تبلورت تسمية غسيل الأموال.

ترى آراء أُخرى أنّ تبييض الأموال ظهر أثناء فترة سبعينات القرن العشرين للميلاد؛ حيث أدركت شرطة مُكافحة المُخدّرات أنّ التّجار الذين يبيعون المُخدّرات للزبائن يحصلون على الكثير من القطع النقديّة وفئات العُملة الورقيّة الصغيرة، ويحرصون على غسل هذه الأموال بالبُخار أو الكيماويّات؛ لإزالة ملوّثات تجارة المُخدّرات منها قبل إيداعها في المصارف، وفي ثمانينات القرن العشرين الميلاديّ ازدادت أرباح الأعمال غير الشرعيّة التي أودعت في الحسابات المصرفيّة السريّة في سويسرا.

أركان جريمة تبييض الأموال لجريمة تبييض الأموال رُكنان، هما:

الرُّكن الماديّ: هو الركن الذي يُعتدى فيه على جميع المصالح التي يحميها القانون، كما يؤدّي إلى حدوث جميع الأنشطة التنفيذيّة للجريمة؛ فوجود الركن الماديّ داخل الجريمة يُعدّ شرطاً رئيسيّاً لتأكيد حدوثها من عدمه، وبناءً على قانون مكافحة تبييض الأموال في العراق يتحقّق الرُّكن الماديّ لهذه الجريمة بعدّةِ أفعالٍ من أهمّها:

إدارة عمليّة ماليّة تستخدم عوائد لنشاطات غير قانونيّة. إرسال مبالغ ماليّة ناتجة عن عوائد لنشاطات غير قانونيّة، أو نقلها. مُساعدة الأفراد الذين يُنفّذون نشاطات غير قانونيّة، وحمايتهم من التعرّض للأحكام القضائيّة.

الرُكن المعنويّ: هو وجود قصد جنائيّ في جريمة تبييض الأموال؛ حيث يكون المُجرم على علمٍ بتنفيذه نشاطات ماليّةً غير مشروعة بمالٍ غير قانونيّ، ولكنه يحرص على ارتكاب هذه الجريمة وقبول كلّ الآثار والنتائج الخاصّة بها، ويُطلَق على ذلك في قانون العقوبات اسم نظريّة الإرادة ونظريّة العلم؛ أي معرفة أنّ التصرُّف الناتج عن الجريمة محظور قانونيّاً، ولكن تكون الإرادة مدفوعةً لتنفيذ هذا السلوك مع قبول نتائجه وإدراكها.

الآثار الاقتصاديّة لتبييض الأموال ينتج عن تبييض الأموال عدم استقرار في الحالة الاقتصاديّة والماليّة للدُّول، ويظهر ذلك في عدّة نتائج ومنها:

تأثُّر المناخات المحليّة والدوليّة الخاصّة بالاستثمار؛ بسبب عدم تكافؤ المنافسة بين المُستثمرين الأجانب والمحليّين؛ ممّا يؤثر في نسب الفائدة، وأسعار صرف العُملات، وحركة رؤوس الأموال، وينتج عن ذلك آثار سلبيّة على طبيعة استقرار سوق المال العالميّ، ودرجة المصداقيّة الخاصّة بالسياسات الاقتصاديّة. غياب القُدرة على اتّخاذ قرارات اقتصاديّة صحيحة؛ نتيجةً لاعتماد هذه القرارات على إحصاءات غير صحيحة حول مُعدّل الدّخل القوميّ.

ازدياد الفجوة بين كُلٍّ من الدّخل القوميّ الحقيقيّ والدّخل القوميّ الرسميّ؛ ممّا يُؤدّي إلى حدوث خللٍ في إعداد خُطط التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وإنشائها.

ظهور تشوُّهٍ في طبيعة الاستهلاك والإنفاق، وينتج عن ذلك ضياع المال المُدَّخر لعملية الاستثمار؛ ممّا يؤدّي إلى حرمان الأنشطة والعمليات الاقتصاديّة من الاستثمارات المُفيدة.

أسباب انتشار غسل الأموال

اعتمد انتشار جريمة غسل الأموال على عدّة أسباب من أهمّها:

انتشار الانفتاح الاقتصاديّ والعولمة في دول العالم، وتسارع التطور التقنيّ في كافة مجالات الاتصال، والأنظمة المصرفيّة، والتجارة الإلكترونيّة.

اختلاف التشريعات الرقابيّة بين دول العالم؛ ممّا أدّى إلى ظهور ثغرات تساعد على نجاح جرائم غسل الأموال، كما أنّ بعض الدول لم تهتمّ بإعداد قوانين لمكافحة هذه الجريمة.

استخدام بعض البنوك أنواعاً سريةً من القوانين المصرفيّة؛ بهدف توفير الحماية لأسرار العملاء الماليّة، كما لا تُوفر أي معلومات عن الحسابات المصرفيّة؛ من أجل استقطاب المزيد من الأموال لدعم الاستثمار الماليّ، مع عدم الاهتمام بمصدر هذه الأموال.

ظهور منافسة بين البنوك بهدف جذب المال والحصول على العملاء؛ من أجل رفع نسب أرباحها دون الاهتمام بالمصادر الخاصة بالأموال التي تحصل عليها. عدم وجود أي جدّيّة عند بعض الدول لمعالجة جريمة غسل الأموال؛ بسبب عدم اهتمامها بالإجراءات المناسبة للحدّ من هذه الجريمة، أو بهدف الحصول على مزيدٍ من الاستثمارات الماليّة. الآثار السلبيّة لغسل الأموال تؤدي جريمة غسل الأموال إلى التأثير سلبيّاً على المجتمع والأنظمة الاقتصاديّة، ومن الممكن تلخيص هذا التأثير وفقاً للآتي:

دعم انتشار مجموعة من الجرائم، مثل الفساد السياسيّ وتجارة المُخدرات؛ بسبب ضمان عودة الأموال الناتجة عن هذه الجرائم للمُجرمين.

تأثُّر الاقتصاد بشكلٍ سلبيّ؛ نتيجةً لغياب عناصر المُنافسة والربح في السوق، واستبدالهما بالجرائم الناتجة عن غسل الأموال.

تأثُّر السوق المحليّ للدول؛ ممّا يؤدي إلى ظهور فجوةٍ واضحةٍ بين كلٍّ من الاستثمار والادّخار؛ وتحديداً عندما تُغسل الأموال باستخدام طُرقٍ تتخلصُ من المال غير المشروع بتصديره إلى الخارج؛ ممّا يؤدي إلى ارتفاع مُعدّل التهريب الذي ينتج عنه عجز داخل ميزان المدفوعات، وتأثيرات سلبيّة على كلٍّ من أسعار الفوائد وصرف العُملات.

ظهور صورة مُشوهة للشركات والمُؤسّسات المحليّة؛ نتيجةً لإنشاء شركات وهميّة لا تعتمد على تنفيذ أي نشاطات حقيقيّة، بل تسعى إلى إخفاء نشاطات غير مشروعة.

ضعف المُنافسة الشريفة؛ حيث يُغادر التُّجار الأسواق نتيجةً لخسارتهم، وينتج عن ذلك مجموعة من المُشكلات الماليّة، مثل غياب القُدرة على سداد القروض التابعة للمصارف

طُرق غسل الأموال تختلف الطُرق المستخدمة في غسل الأموال وفقاً لطبيعة المال الذي يجب غسله، وفيما يأتي معلومات عن أهمّ هذه الطُرق:

شراء مجموعة من الأصول، مثل السيارات، والعقارات، والطائرات، وتسجيلها بأسماء مجموعة من الأشخاص كالأقارب أو الأصدقاء.

الاستفادة من الشركات السياحيّة؛ عن طريق استخدام الأموال غير المغسولة في شراء تذاكر السفر.

استخدام هذه الأموال في شراء الأسهم والمشاركة في السوق الماليّ.

إنشاء مُنشآت وهميّة؛ عن طريق استخدام مجموعة وسائل كالاحتيال على البنوك من خلال الحصول على قروضٍ منها، ومن ثمّ خلط هذه الأموال مع أموال البنوك